1

كوكب الأرض كان ملكية جماعية لنسل بنى آدم، أينما وضعوا رحالهم كان المكان مشاعا للجميع، بعد مئات وآلاف السنين استقر بعضهم بعدما عرفوا الزراعة وانتظروا الحصاد، وتكونت القبائل والمجتمعات ثم الدول… وتشكلت مع الزمن نظم حكم على يد نخب، أخذت أشكالا وصورا مختلفة حول العالم، وتحكمت الأقلية في الأغلبية، ومن بين الأقلية ظهر رجل ارتضت هذه النخبة (طوعا أو كراهية) أن يكون زعيمها وقائدها، وهذا الأخير وجد أن كل مايصل إليه بصره هو ملكا له، ولكنه أدرك أن سيطرته على الجموع تحتاج مساعدة ومساندة هذه النخبة، وحتى يحصل على ولائها وإخلاصها أشركها في الملكية بما وهبه لها من عطايا ومزايا، واستمرت المجتمعات في التطور حتى وصلت لما نحن عليه الآن، الملك أو الأمير أو الرئيس لا يتحكم في خيرات البلاد أوملكيات العباد إلا في حدود القانون المنظم لدوره كحاكم، وأصبح هناك أفراد وجماعات أكثر ثراء من الحاكم…… وبعد أن كان البشر جميعا سواسية.. أصبح بين الشعوب والدول فروقا كبيرة في الثروة والهيمنة والنفوذ.

(2)

الفيلسوف الإنجليزى برتراند راسل كان يرى أن المجتمع المدني لم ينشأ من «عقد اجتماعي» تخلى الأفراد بموجبه عن جزء من حريتهم في مقابل فوائد جماعية على رأسها الأمن، لكن هذا العقد على حد قوله لم يكن بين عامة الشعب والنخبة، ولكن بين أفراد الصفوة الحاكمة قبلوا به بهدف تعزيز وضعهم وامتيازاتهم وفرضوه على العامة. ومن وجهة نظر راسل، يشير التاريخ إلى أن الملكية هي التي شكلت أول نمط من النظام السياسي المتقدم. بدأ التاريخ بشيوعية الملكية وانتهي، الآن، بالرأسمالية على الطريقة الأمريكية.

(3)

أختار الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية، نموذج الاقتصاد الرأسمالي لتطبيقه، الدولة الشابة التى لم تعرف النظام الملكى أو الإقطاعى مثل أوروبا، جعلت من الملكية الخاصة العمود الفقرى لنظامها الاقتصادى، وشجعت مواطنيها على التملك حتى تحثهم على الاستقرار والعمل والإبداع. في عام 1862، وقع الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن، قانون تملك الأراضي الزراعية في الغرب الأمريكي، ونص القانون على أن أي مواطن صالح، بمن في ذلك النساء والعبيد المحررون، يمكنه أن يضع يده على ما يصل إلى 160 فدانا من الأراضى بمنطقة الغرب الأمريكي. وكل ما على الشخص فعله هو بناء منزل هناك، وزراعة الأرض لمدة خمس سنوات، وساهم اختراع السلك الشائك في تحديد الملكيات والحفاظ عليها…. وهى كلها أشياء لم يعرفها من قبل سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر.

(4)

كان برتراند راسل يظن أنه إذا استغلت البشرية التكنولوجيا الحديثة، لأمكننا في غضون عشرين عامًا القضاء على كل أشكال الفقر المدقع وعلى نصف الأمراض في العالم والتبعية الاقتصادية التي تكبل الشعوب، ولأمكننا أن نملأ العالم بالجمال والسعادة ونضمن أن يسود السلام العالمي، وأن يكون هناك مزيدا من وقت الفراع اللازم لحياةٍ من الإبداع والنجاح الحقيقى (الارتقاء والسمو الإنسانى) وليس النجاح المادى، على الطريقة الأمريكية والمقصود بها تراكم الثروة والمال، هذه الأمنيات الطيبة تحدث راسل عنها عام 1917.

(5)

بعد قرن من الزمان، لم تتحقق نبؤات راسل، ازدادت الرأسمالية توحشا وشراسة، رغم الثورة الصناعية والتكنولوجية والتقدم العلمى المذهل لم يتم القضاء على الفقر، بل ازدادت الفجوة اتساعا بين الأغنياء والفقراء. الأرقام تقول إن مايقرب من 18 مليون ثرى حول العالم يتحكمون فى47% من ثروة العالم، وتزيد ثروة هؤلاء المليونيرات بنسب أسرع من الآخرين. في أمريكا أكبر عدد من الميليونيرات، ثمانية ملايين، تأتي بعدها الصين، اليابان، المملكة المتحدة، ثم ألمانيا. كما أصدرت مؤسسة الإغاثة العالمية «أوكسفام» تقريرا لها هذا العام، جاء فيه أن ثمانية رجال يمتلكون ثروة تعادل ما يملكه حوالى 3.6 مليار نسمة، يشكلون النصف الأفقر من سكان العالم، هؤلاء الثمانية هم: بيل جيتس، مارك زوكربرج، وارن بافيت، مايكل بلومبرج، جيف بيزوس، كارلوس سليم ولاري إليسون وأمانسيو أورتيجا، طالبت أوكسفام في تقريرها كبح التهرب الضريبي والتحول عن الرأسمالية التي تحابي الأثرياء على حساب الفقراء.

(6)

الأثرياء يحكمون العالم بأموالهم الطائلة، التي يستخدمونها في التأثير على السلطات الحاكمة في بلادهم وخارجها، فهم يمثلون جماعات ضغط قوية ومتشعبة، فتأتى القرارات السياسية والقوانين لصالحهم وفى خدمتهم، فيزدادوا ثراء ويزداد الفقراء فقرا وبؤسا وعدم قدرة على تغيير واقعهم السيئ. رغم أن ثورة الاتصالات سمحت بتكوين ثروات طائلة بطرق غير تقليدية لا تحتاج لرؤوس أموال ضخمة، كما كان الحال من قبل، إلا أن هذا المجال أيضا محرم على الفقراء ومواطنى العالم الثالث، الفقر والجهل هما أكبر عائق أمام الإبداع.. ولا يستطيع تخطى هذه الحواجز إلا أشخاصا نادرين.

(7)

هل الفقر قدرا على الدول كما على الأفراد؟ أم أن الأمر النظام الرأسمالى الحالى والمؤسسات النقدية الدولية التابعة له من الأسباب الرئيسية وراء تعثر الدول والشعوب، السير كريستوفر بيساريدس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أعرب أمام منتدى دافوس العام الماضى عن قلقه من النظام الاقتصادى العالمى الحالى حين قال: «نحن بحاجة لتطوير نظام جديد لإعادة توزيع الثروة، وسياسات جديدة من شأنها أن تعيد توزيع الثروة بشكل حتمي من أولئك الذين تكافئهم السوق على حساب الفئات المنسية من الناس».

هل يمكن أن يتحقق حلم المدينة الفاضلة ويختفى الفقر والعوز من العالم؟ الكاتب والمؤرخ الهولندى الشاب روتجر بريجمان يجيب بنعم عن هذا السؤال في كتابه «يوتوبيا الواقعية: وكيف يمكننا الوصول إلى هناك»… وللحديث بقية في المقال القادم بإذن الله.

EKTEBLY@HOTMAIL.COM

Leave a Reply