ربما لم يتوفر إجماع على شخص خلال السنوات الأخيرة كما توفر على وجدى غنيم، عضو جماعة الإخوان والإرهابى الهارب لتركيا، فالرجل الذى يشيع خطابا متطرفا منذ سنوات بعيدة، ويقيم فى رحاب رجب طيب أردوغان وحكومته الداعمة لداعش وجبهة النصرة وغيرها من تيارات الإرهاب، يتمتع باتفاق لا حصر له على جهله وغطرسته وخطابه المتطرف الكاره للإنسانية والمشوه للدين، حتى أصبح منبوذا من جموع الناس، وفى مقدمتهم من كانوا يتابعونه وينخدعون فيه من قبل.

حالة النبذ التى يعيشها وجدى غنيم حاليا لا تتوقف على انطباعات الناس ومواقفهم منه، وليست طارئة أو ناتجة عن مواقفه الأخيرة وجرائم جماعة الإخوان التى ينتمى لها، تتبع مسيرة الرجل منذ بدايته حتى الآن تثبت أنه كان منبوذا طوال الوقت، كان منبوذا من مصر والمصريين، كان منبوذا من الولايات المتحدة الأمريكية ومن أوروبا ومن جنوب أفريقيا ومن اليمن ومن ماليزيا، بل ومن قطر نفسها، والأفدح أن جماعته الأم، جماعة الإخوان الإرهابية، نبذته من قبل وتخلت عنه بعد فشله فى الانتخابات البرلمانية 1987، وما زال الرجل يواصل رحلته مع التكفير والإرهاب، وما زالت خريطة النبذ والطرد والاستهجان تتوسع تحت قدميه.

وجدى غنيم يصر على تكفير النظام التونسى.. ومتابع: سيب تركيا يا شيخ

فى الفيديو الأخير الذى نشره وجدى غنيم تحت عنوان “تعليقى الأخير على موضوع تونس”، الذى أصر فيه على موقفه من تكفير الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى وحزبه، كتب أحد المعلقين رسالة لغنيم، قال فيها: “سيب تركيا يا شيخنا، وإن كانت هناك فرصة فاختم حياتك فى أرض جهاد، مثلك سأبكيه بحرقة إن مات على سرير، فلتكن نبراسا ينير الطريق للشباب الباحثين عن الحق، على أى حال شيخى الفاضل وفقك الله لحسن الخاتمة”.

أرض الجهاد المقصودة هنا ليست سوى الأرض التى يحتلها تنظيم داعش الإرهابى، كما يسميها أتباع التنظيم، وهى ليست الدعوة الوحيدة التى يتلقاها وجدى غنيم يوميا من متابعيه من الدواعش، فالرجل يحظى بمليون متابع لصفحته على “فيس بوك”، أما الفيديوهات التى ينشرها عبر “يوتيوب” فقد جمعت حتى لحظة كتابة هذه السطور 35 مليون مشاهدة، إذ يستهدف الرجل بشكل أساسى طبقة من أصحاب التعليم الضعيف أو غير المتعلمين، فى أسلوب شعبوى يعتمد على النكتة بشكل كبير فى جذب أسماع المستمعين.

الإرهابى وجدى غنيم.. من سوهاج إلى إمبراطورية الكاسيت وتجارة الدين

فى محافظة سوهاج، ولد الإرهابى الهارب وجدى غنيم، وأتم دراسته الثانوية قم انتقل إلى الإسكندرية ليبدأ الدراسة فى كلية التجارة، التى تخرج فيها عام 1973، وفى فترة السبعينيات بالإسكندرية، ومن مسجد “الدعوة” بمنطقة العوايد الريفية على أطراف المدينة، بدأ وجدى غنيم نشاطه عام 1976 تزامنا مع صعود التيار الإسلامى فى المدينة، فى الوقت الذى عُيّن فيه محاسبا بوزارة المالية.

عبر منبر مسجد الدعوة بدأ “غنيم” نشاطه بمنطقة ريف المنتزه بالإسكندرية، مخاطبا فئة محددة من أبناء الطبقات المهمشة، وعبر هؤلاء تحديدا استطاع الانتشار وحيازة صيت وسمعة كبيرين فى الأوساط الإخوانية، ومع ظهور سوق “الكاسيت” للشرائط الدينية كون وجدى غنيم إمبراطورية كبرى من الشرائط التى كانت الأكثر مبيعا فى فترتى الثمانينيات والتسعينيات حتى أوائل الألفية، حينما ظهر الإنترنت وأوقف هذه السوق.

نعيم التجارة بالدين ينقل “غنيم” من الهامش إلى أرقى أحياء الإسكندرية

الفترة الممتدة من بدء رحلته حتى توقف صناعة الكاسيت، كانت كافية ليتوسع وجدى غنيم فى إمبراطوريته، وينقل مقر إقامته من منطقة مهمشة فى ريف الإسكندرية ليسكن فى حى “لوران”، أحد أرقى أحياء المدينة، ويفتتح محلا يقتات منه، يستهدف طبقة الإسلاميين تحديدا، عبر تأجير شرائط الفيديو لما يسميه بـ”الفيديو الإسلامى”.

خاض وجدى غنيم انتخابات البرلمان عام 1987 على المقاعد الفردية عن دائرة المنتزه، وكان رمزه “الكرة”، لكنه أخفق فى الفوز رغم تحقيق التحالف الإسلامى وقتها 37 مقعدا، ومع اتجاه الإخوان لعدم ترشيحه من جديد فى الانتخابات أو تصعيده فى الواجهة السياسية، اكتفى “غنيم” بامبراطورية “الكاسيت” التى صنعها، واستمر فى نشاطه المحموم فى الخطب الدينية، التى كثيرا ما امتلأت بالتكفير، حتى أنه كان أحد الذين خاضوا المناظرة الشهيرة مع فرج فودة.

المنبوذ من كل العالم.. رحلة طرد وإبعاد الإرهابى وجدى غنيم

فى وقت كان يحاول الإخوان فيه إخفاء وجههم القبيح، بدأ وجدى غنيم بخطابه الحاد والتكفيرى وإثارته المشكلات مرة بعد أخرى فى التسبب لحرج للجماعة التى كانت تسعى للتلون وإخفاء وجهها الحقيقى فى هذه الفترة لخداع القوى السياسية الأخرى، وفى عام 2001 سافر وجدى غنيم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بدعوة من منظمةNAIF  الإسلامية التى يديرها الإخوان فى أمريكا، وفى 2004 أُلقى القبض عليه هناك بتهمة تهديد الأمن القومى الأمريكى وانتهاك قوانين الهجرة، فاختار مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية، واتخذ من البحرين وجهة له، وهناك أقام ثلاث سنوات قبل أن تقرر البحرين طرده عام 2007.

خلال تلك الفترة، منعته سويسرا وكندا من دخول أراضيها، ومن البحرين انتقل وجدى غنيم إلى جنوب أفريقيا، التى اعتُقل فيها بعد فترة إقامة لم تتجاوز 3 شهور، بتهمة تزوير الإقامة، ولاحقا طردته جنوب أفريقيا من أرضها، فسافر إلى اليمن، التى طرد منها أيضا، فاتجه إلى ماليزيا، وبعد محاولة أخرى للعودة من ماليزيا إلى اليمن أُلقى القبض عليه فى صنعاء، ورفضت الحكومة اليمنية دخوله أراضيها، فاختار قطر ليستقر بها حتى 2014، قبل أن تطلب منه الحكومة القطرية مغادرة البلاد، ليذهب إلى تركيا.

رحلة وجدى غنيم المشبوهة.. هل ينتهى شيخ الإرهاب فى صفوف داعش؟

خلال الفترة التى قضاها وجدى غنيم خارج مصر، شعر الرجل بالأمان والتجبر، ليبدأ الحديث فيما امتنع عن تناوله خلال فترة تواجده فى مصر، ليظهر الوجه الحقيقى لجماعة الإخوان الإرهابية، وخلال هذه الفترة أصدر فتواه بتكفير الدكتور أحمد زويل، وفتواه التى امتدح فيها تنظيم داعش الإرهابى رغم ما وصفه بـ”الاختلافات البسيطة معهم”، كما أعلن أن الخروج فى تظاهرات 30 يونيو ضد الجماعة الإرهابية خروج على الإسلام، وكفّر من يستمع لأغنية “تسلم الأيادى”، كما أباح قتل جنود الجيش والمواطنين الأقباط، وصولا إلى فتواه بتكفير الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى.

ورغم كل فتاوى التكفير والحض على الكراهية والدعوة إلى القتل، إلا أن وجدى غنيم ظل ينعم بالأمان فى تركيا، إلى أن وضعها فى حرج سياسى أمام تونس، وهو الأمر الذى انتهى به فى النهاية إلى إعلانه أنه قد يترك تركيا.

بعد هذه الرحلة المشبوهة التى شملت عددا ضخما من الدول، تبقى وجهة وجدى غنيم المقبلة مجهولة، فلا دولة فى العالم ستبقل دخوله لأراضيها على الأرجح، خاصة بعدما سبق أن طردته دول عدة من كل قارات العالم، ومنها قطر نفسها التى يمكن أن تكون الوجهة الوحيدة التى تقبل إرهابيا مثله، وربما وسط هذا الرفض الواسع لإرهاب وجدى غنيم وأفكاره الإجرامية، لن يجد ملجأ إلا بالهجرة إلى مناطق داعش فى سوريا، ليحقق أمنية الشخص الذى طالبه بأن يموت فى أرض جهاد، وهو الأرجح بالفعل، فبهذا التاريخ غير النظيف والحاضر المشوه والمرفوض عالميا، يمكن توقع خاتمة وجدى غنيم بين صفوف داعش.

 

Leave a Reply