– رفض أن يطلب من السادات إخراج ابنه محمد من السجون

– نبيلة عبيد كانت تعسكر فى بيتنا وتقيم حفلاً على شرف والدى نهاية كل فيل

– بعد الثورة قال لـ «ناصر»: «من النهاردة مفيش جيمى»

إحسان عبدالقدوس واحد من أهم رموز مصر فى القرن العشرين، وفى الذكرى الـ28 على رحيله لايزال يشكل وعى الكثيرين فى مصر، وربما فى الوطن العربى أكمله.. «اليوم السابع» تواصلت مع المهندس أحمد إحسان عبدالقدوس، فى محاولة جادة لمعرفة إحسان عن قرب.
ولكن، من أين يبدأ الحوار؟.. هل نتحدث عن الصحفى الذى شهدت «روز اليوسف» عز مجدها معه، وتجاوز توزيعها للمرة الأولى المليون نسخة على يديه فى أوائل التسعينيات، أم عن الروائى الذى كانت المرأة شاغله الأكبر، حيث كشف ما يدور فى عقلها وقلبها، أم عن الكاتب السياسى الذى اتصف بالجرأة اللازمة لمناقشة شؤون الأوضاع الداخلية والخارجية؟
فى أثناء الحوار مع أحمد إحسان عبدالقدوس، كان «إحسان» نفسه موجودًا بأفكاره وكتبه، لذا استعنا ببعض هذه الكتب التى تحدث فيها عن نفسه، منها «إحسان عبدالقدوس يتذكر» للدكتور أميرة عبدالفتوح، وأيضًا كتاب «أمس واليوم وغدا» للكاتبة نيرمين القويسنى، وإلى

نص الحوار..

«بيئة متناقضة».. هل يمكن وصف نشأة إحسان عبدالقدوس بهذه الجملة؟

– بالطبع عاش والدى صراعًا كبيرًا فى طفولته، وذلك بسبب تربيته فى بيت عمته، وفى الوقت نفسه زياراته المعتادة لوالدته، وذلك بعدما انفصل والداه، لاختلاف نزعتيهما الفنية، حيث كان بيت عمته متدينًا للغاية، بينما كانت «روز» تعقد الندوات وتدير الجلسات بكل قوة، وسط العديد من الباشاوات والأدباء، لذا عاش فى صراع بين عمته التى ربته تربية متدينة، وبين والدته المتفتحة التى تتعامل مع الآخرين بمنتهى الرقى والاحترام.
ما قاله أحمد عبدالقدوس كان له أصل فيما ذكره «إحسان» من قبل عن هذا الوضع الصعب للطفل، قائلًا: «كان الانتقال بين هذين المناخين المتناقضين يصيبنى فى البداية بما يشبه الدوار الذهنى، حتى اعتدت عليه بالتدريج، واستطعت أن أعد نفسى لتقبله فى حياتى، لا مفر منه.. لقد استطعت التوفيق بين هذه المتناقضات فى حياتى، بحيث لم تفسد شخصيتى كإنسان، ولم تقض على مواهبى كفنان وأديب بالحب.. الحب هو الذى أعاننى على مواجهة كل هذه التناقضات فى حياتى الأولى وطوال مسيرتى بعد ذلك.. كنت أحب جدى، وكان هذا الحب يفرض علىَّ كل أنواع الاحترام تجاه جدى، العالم المتدين الزاهد فى الدنيا.. كنت أحب قيم جدى وأفكاره، بل كنت أعشق تقاليده التى كان يفرضها علينا، وعلى الجانب الآخر كنت أحب أبى وأمى، مدفوعًا أولًا بعاطفة البنوة، ولقد دفعنى هذا الحب الذى كنت أكنه للقطبين المتنافرين فى حياتى إلى التعمق فى معرفة وإدراك وجهة نظر كل منهما، بحيث يمكننى الدفاع عنه فى مواجهة الطرف الآخر».

كيف كانت أول مهمة صحفية لإحسان عبدالقدوس؟

– عندما أرسلته والدته «روز اليوسف» بجملة إلى رئيس الوزراء محمد محمود باشا قال له: «أمى بتسلم على سعادتك.. وبتقولك عاوزة شوية أخبار»!
– يقول أحمد إحسان: أتذكر فى حديث والدى مع الإعلامى مفيد فوزى قديمًا أنه قال: «عندما كنت طفلًا كنت غاوى حكاية الكتابة»، وذلك لأنه كان خجولًا جدًا فى أن يعبر عن كلامه أمام الناس، لهذا حرص على الكتابة ليعبر عن مشاعره واتجاهاته وانتقاداته أيضًا.
بينما يقول إحسان: «لأننى ابن صاحبة مجلة روز اليوسف، فقد تميزت بالحرية الكاملة فى كل ما أكتب، لأن والدتى كانت قد منحتنى سلطة كاملة فى النشر، وقد وصلت بحريتى إلى حد أننى لم أكن أقيد آرائى بالانتماء إلى أى حزب أو الانتساب إلى أى رئيس ولا حتى الارتباط بصداقة يمكن أن تقيد رأيى».

كيف كانت طقوس الكتابة عند إحسان عبدالقدوس؟

– كان والدى لديه طقوس فى الكتابة، فهو دائمًا يذهب إلى «روز اليوسف»، ويكتب قصصه فى مكتبه وقت الفجر. وعندما بدأ كتابة قصصه من البيت كان يرتدى ملابسه كأنه ذاهب إلى العمل، فيجلس على مكتبه ويبدأ فى الكتابة، ومن طقوسه أيضًا أنه كان لا يرد على أحد وقت كتابة روايته، فهو دائمًا كان منغمسًا فيما يفعله، وتقريبًا لا يسمع أحد، ومن الطريف أنه جميع رواياته التى كتبها بخط يده ليس بها «شخبطة» إلا فى أشياء طفيفة لا تذكر.

هل كان إحسان عبدالقدوس بطلًا فعليًا لأعماله؟

– حدث أحيانًا، فبعد مقتل الوزير أمين عثمان، المعروف بأنه عميل للإنجليز، حيث قام حسين توفيق بقتله وضربه بالرصاص، وتمكن البوليس من القبض عليه، واتهم أنور السادات بأنه سهل عملية الاغتيال، وتمكن السادات من الهروب إلى الإسماعيلية، كما تمكن حسين توفيق من الهروب بمساعدة الضباط الأحرار، وقام الضباط الأحرار بالاتصال بوالدى، وعرضوا عليه استضافة حسين توفيق فى بيته، وبالفعل رحب والدى بالطلب، لأنه وطنى وشديد الحماس، وبالفعل دخل حسين توفيق البيت، وكانت هناك مكافأة قدرها 5 آلاف جنيه لمن يرشد عنه، وتداركت والدتى هذا الموقف الوطنى، وتمت استضافته 10 أيام دون علم أى حد، وبعدها كتب أبى رواية «فى بيتنا رجل».
ويقول إحسان عبدالقدوس فى «إحسان عبدالقدوس يتذكر»: «لم يكن البوليس السياسيى غافلًا عما يجرى.. كانوا واثقين تمامًا أننى ضالع فى العملية، ولكن إلى أى مدى.. وهذا ما كانوا فى حيرة منه.. كان البوليس السرى يعلم صلتى بالتجمع الثورى المختفى وراء حسين توفيق، ولهذا قرروا مطاردتى بلا رحمة، وكنت أمارس حياتى المعتادة بلا أدنى تغيير يثير شكوكهم، فإذا تعبوا من المطاردة أقبل على كبيرهم الأميرالاى إمام فى استعطاف حقيقى يدعو للسخرية: «أرجوك كفاية إذلال لنا».. وأضحك بسذاجة، وكنت أشعر بسعادة غامرة تجتاح كيانى كله وتتحول من مجرد إحساس نفسى بالرضا إلى ما يشبه المتعة الحسية بالشماتة من الغول الذى طالما أرعب الثوار».

كان إحسان عبدالقدوس يحترم عبدالوهاب بشكل زائد.. فما طبيعة العلاقة بينهما؟

– كان والدى ينادى عبدالوهاب دائمًا بـ «أستاذى»، ولذلك حكاية ترجع إلى أن عبدالوهاب كان معلم الموسيقى فى مدرسة فؤاد الأول التى تعلم فيها والدى، لهذا كان دائمًا حريصًا على مناداته بـ «الأستاذ»، وتجمع بينهما علاقة صداقة قوية، ففور رحيل والدى حزن عليه عبدالوهاب حزنًا شديدًا، وأتذكر جيدًا أن الفنان عبدالوهاب كان لديه وسواس النظافة، وفى إحدى المرات عند زيارة والدى أخذ بمنتهى الهدوء يغسل تفاحة قبل أن يأكلها ما يقرب من 5 دقائق.

كيف كانت علاقة إحسان عبدالقدوس بنبيلة عبيد؟

– والدى ارتبط بجميع الفنانين والشخصيات السياسية والثقافية، وكان لديه دور فى حياتهم الشخصية والمهنية، ومن بين الشخصيات الفنية التى مثلت العديد من أعماله الروائية التى أنتجها والدى هى الفنانة نبيلة عبيد، فهى كانت تعسكر فى بيتنا لتخرج بقصة تتحول لفيلم، وفى فترة الثمانينيات بعد الانتهاء من تصوير أفلامها، كانت دائمًا تقيم حفلات للاحتفال بنجاح كل فيلم سينمائى لها، وكان والدى ضيف شرف الحفلة.

هل استغل إحسان علاقته القوية فى مواجهة أزماته الكثيرة مع الدولة؟

– لا لم يفعل ذلك، وسنة 1981 قام السادات بعمل مؤتمر كبير دعا إليه الصحفيين والإعلاميين ورؤساء التحرير، وفى ذلك الوقت كان شقيقى محمد معتقلًا، ورفض والدى أن يذهب إلى المؤتمر بسبب محمد، لكنه فى آخر لحظة تراجع عن رفضه وذهب إلى المؤتمر بالفعل، وبعد انتهاء المؤتمر قال السادات له: «إحسان مش هتقولى حاجة علشان محمد»، فرد عليه والدى قائلًا: «يا ريس كنا وإحنا صغيرين بنعمل زيه، هو حر يتحمل مسؤولية أعماله».
وأتذكر أيضًا أن جدتى روز اليوسف قامت بنفس الموقف مع والدى وقت اعتقاله أيام الملك فاروق، وحتى فى زمن اعتقاله أيام جمال عبدالناصر، وكان الكثيرون يقولون لها بكلمة منك يخرج إحسان من اعتقاله، لكنها رفضت قائلة: «لا.. يموته أحسن»، فقد كان لديها مبدأ أن تتحمل مسؤولية ما تفعله.
وفى حديث لإحسان عبدالقدوس، تحدث عن علاقته بالزعماء السياسيين، قائلًا: «اقترابى من الطبقة العليا الحاكمة كان اقترابًا مصنوعًا، فرضته الظروف التى عشتها فى كنف أم تملك أكبر مجلة سياسية قادت أعنف المعارك السياسية ضد النظام الحاكم بكل مباذله وخطاياه.. ومواقفى العلمية تقطع كلها بالتوافق الكامل بين حياتى الخاصة كإنسان مصرى، وأديب سجل قلمه موقفه الفكرى من مجتمعه.. وعلمتنى الحياة ألا أنظر إلى الأفراد باعتبارهم أشخاصًا قابلين للحب أو الكراهية، بل اعتبارهم تبعًا لمواقف إنسانية ذات تأثير اجتماعى مفيد أو ضار.. وهذه النظرة إلى المواقف ورفضها أو الحماس لها جعلتنى أقرب إلى الموضوعية فى حكمى على الحوادث والأشخاص، وحمتنى من الوقوف موقف العداء الشخصى من خصومى فى الرأى طيلة حياتى، الأمر الذى كان يصعب فهمه على الكثيرين ممن يعرفوننى معرفة شخصية».
إحسان-مع-محمد-حسنين-هيكل-فى-اليمن

كيف كان إحسان عبدالقدوس يستقبل النقد والهجوم على أعماله؟

– تعرض والدى لهجوم كبير، ومن ذلك ما حدث فى مجلس الأمة ضد رواية «أنف وثلاث عيون»، وكان الأعضاء يريدون تحويله إلى نيابة الآداب العامة، لكن جمال عبدالناصر أسكت الجميع، وهو فى ذلك الوقت أنقذ والدى من أزمة حقيقية، ورغم أنه كانت تربطه علاقة قوية مع جمال عبدالناصر، حيث كان دائمًا يناديه بـ«جيمى»، فإنه سجنه لمدة ثلاثة أشهر، بسبب مقالة كتبها، وبعد الإفراج عنه دعاه جمال عبدالناصر لحضور حفل عشاء، وكان إحسان يناديه بـ«سيادة الرئيس»، فقال له ناصر «فين جيمى يا إحسان؟» فرد والدى: «لا مفيش جيمى يا ريس».
كما أكد إحسان عبدالقدوس بنفسه واقعة الاتهام فى مجلس الأمة، قائلًا: «أنا لا أكتب الجنس فقط، لكننى أكتب عن كل ما فى الحياة التى يعيشها مجتمعى.. الجنس وغيره، وبالنسبة للجنس فإننى لا أخاف من الكتابة عنه، لأنه موجود فى حياتنا ومؤثر فيها إلى حد كبير، وعندما أكتب عنه لا أتناوله لذاته، بل بهدف التحليل الواقعى لدوافع الإنسان التى تحركه نحو سلوك معين، فأنا لا أتعمد اختيار نوع معين من القصص أو اتجاه معين، لكن تفكيرى فى القصة يبدأ دائمًا بالتفكير فى عيوب المجتمع، وفى العقد النفسية التى يعانيها الناس، وعندما أنتهى من دراسة زوايا المجتمع أسجل دراستى فى قصة.. إن نشر هذه العيوب سيجعلهم يسخطون، وسيؤدى بهم السخط إلى الاقتناع بضرورة التعاون على وضع تقاليد جديدة لمجتمعنا، تتسع للتطور الكبير الذى نجتازه ونحمى أبناءنا وبناتنا من الأخطاء التى يتعرضون لها نتيجة هذا التطور.. وهذا هو الهدف الذى حققته قصصى.. لقد بدأ الناس يسخطون، ولكنهم بدلًا من أن يسخطوا على انفسهم، وبدلًا أن يسخطوا على المجتمع، سخطوا على الكاتب، أى سخطوا علىّ أنا، لكننى كنت مؤمنًا بأن استمرارى وتصميمى سيقلب السخط علىّ إلى سخط على عيوب المجتمع، ومن ثم يبدأ الناس فى التعاون على إصلاح ما بأنفسهم».

كم مرة إحسان دخل السجن؟

– دخل السجن أول مرة عندما كان سكرتير تحرير بـ«روز اليوسف»، وعمره لا يتجاوز 25 سنة، عندما كتب مقالة خطيرة بعنوان «هذا الرجل يجب أن يذهب»، يقصد به اللورد كيلرن عام 1945، أيام الملك فاروق، وعندما سجن لأول مرة كان سعيدًا بالتجربة، ودخل السجن مرة أيام جمال عبدالناصر عام 1954، بتهمة قلب نظام الحكم عن مقالة «الجمعية السرية التى تحكم مصر»، لكن فى هذه المرة لم يكن سعيد أبدًا بالتجربة.

وماذا عن علاقته بالأديب الراحل نجيب محفوظ؟!

– والدى لديه علاقات عديدة مع جميع الأدباء والكتّاب، كما أنه أكثر كاتب تحولت قصصه إلى أفلام سينمائية، وكتب نجيب محفوظ عنها العديد من السيناريوهات، لكننى أعتقد أن نجيب محفوظ لم يكن اجتماعيًا على عكس يوسف السباعى، ولكننى متأكد أن والدى كانت تربطه علاقات صداقة ومحبة مع العديد من الأدباء، ومن الممكن أن يختلفوا فى بعض الآراء، لكنهم يحترمون بعضها، وكانوا دائمًا حريصين على التقاط الصور التذكارية فى أغلب اللقاءات.
والدى توفى فى يناير عام 1990، وفى أواخر ثلاث سنوات من عمره كانت صحته فى تدهور، وكان غير راض عن اتجاه المجتمع فى ذلك الوقت، واستشعر بأن المجتمع ينهار ولا يوجد لديه مخرج، أما بالنسبة لكم الروايات التى قدمها، فترجع لكونه صاحب رؤية مستقبلية، إضافة إلى أنه لديه العديد من الصداقات، وكان يستطيع تحليل النفسيات، فكان طبيبًا نفسيًا فى وقت لا يوجد فيه أطباء نفسيون منتشرون فى المجتمع آنذاك، وجميع الناس من مختلف الأطياف والفئات يأتون إليه، سواء كانوا رجالًا أو نساء أو كبارًا، أو قراء، لكى يناقشوه عن حياتهم، وكانت لديه القدرة على فتح القلوب بسهولة، والتعرف على أسرارهم، ومن هنا خرجت روايته وقصصه.

كان إحسان من المدافعين عن حقوق المرأة.. فإذا كان يعيش بيننا الآن ما الذى كان سيقدمه فى هذا الشأن؟!

– هدف والدى دائمًا تنوير المجتمع، سواء للرجال أو للسيدات، حول نمط الحياة والعلاقات الإنسانية، فلا يوجد شىء اسمه «حرية مطلقة»، وإذا كان يعيش بيننا الآن كان سيساعد المرأة على التجاوب مع العصر فى ظل الانفتاح الذى نتعرض له، فضلًا عن الإغراءات الكثيرة، وكان دائمًا سيساعدها على الحفاظ على مسؤولية بيتها والعناية بزوجها وأولادها أولًا قبل أى شىء آخر، ثم سيساندها على أخذ حقوقها المهنية، فهو كان دائمًا يقول «أخطر شىء ممكن تتعرض له المرأة ألا تكون لديها مسؤولية»

Leave a Reply