تعلمين بيقين مدى حبى وغرامى بك.. همساً وحروفاً وإيقاعاً وموسيقى، وتعلمين كيف جعلت منى القارئ والكاتب والمحاور! فمنذ صار لى عينان تبصران الجريدة لأول مرة وكنت صبياً وقعت فى غرام الحروف ولم أبرأ!، ولا يزال الحرف المطبوع فى حضن كتاب هو نبع العرفة فى عقلى، ولا يزال للورق رائحة مهما حاولت تكنولوجيا العصر أن تهزمها، لا يزال للكتب أرفف تنام عليها وتتغطى بدفء اهتمامى، ملايين الحروف ترقد فى مكتبتى وتلك أثمن ثروة!. أنا مفتون بالكلمات قارئاً قبل أن أحترف الكتابة وصارت أدواتى للتعبير. مرة أنت مطيعة ومرات تصبحين عصية، لكنك دائماً حاضرة على سن قلمى. أرسم حروفاً تتشابك فتغدو كلمة لها دلالة وعندما تمر العين على حروف كلمة فإنها تحمل للعقل المعنى الذى تضمره، نعم تحمل لى على جناح فراشة معانى الحروف. فكلمة حب من حرفين ودلالتها عقد اتفاق بين اثنين. وكلمة حرب تطوى داخلها النار والدمار، كان أنيس منصور يقول لى: حين يزورنى خاطر ما يغرينى بالكتابة تتسابق الحروف وكأنها تعرض خدماتها على قلمى!. وكان الرسام الكبير صلاح طاهر يقول إن الحروف والألوان كلتاهما تتبارى لتقنعنى بأهميتها. كلتاهما تعلم أنى قادر على التعبير بالحروف مثلما أرسم الوجه بالألوان، وكان الشاعر نزار قبانى يملك فى بنوك اللغة «ودائع» نزارية ينفق منها فى صياغة قصائده!. ويقسم لى أحمد رامى أن ما كتب من طقاطيق عاطفية لأم كلثوم كانت بقلم الوجع والبعاد. لقد علمتنى الحروف أن أقول «أدب الافتقاد» ولا أقول أدب الرثاء. علمتنى أن الألم هو ألم الجسد وأن الوجع هو ألم النفس.. علمتنى حروف اللغة العربية كيف أحبها وأفتتن بها وأزهو. علمتنى كيف أحنو على الفصحى وأهيم مع العامية ربما بعد ما قال طه حسين فى عبارة صريحة «لست أخاف على الفصحى إلا من عامية بيرم»، وكان عميد الأدب يقصد بيرم التونسى الذى «لعب بالحروف وأمرها فصارت له صاغرة»، ولم أكن أعرف قبل أن ألتقى بكامل الشناوى فى فجر حياتى العملية أن للكلمات «جرس موسيقى». وحين تعرضت اللغة إلى ازدراء واهتراء، كنت أحزن ولكن ليس بمقدار حزن فاروق شوشة أحد حراس لغتنا الجميلة، ولولا صيحات هنا وهناك لإنقاذ اللغة من الانحدار لبقيت فى القاع ذليلة!.

Leave a Reply