المذكرات دائما ما تكون صادمة، يطلبها الناس بإصرار من الكتاب والسياسيين ورجال الدين، ظنا أنها الحقيقة الغائبة، يطلب الناس الشخصيات العامة أن تقول وتعترف، فإن اعترفوا انقلبوا عليهم بفعل الصدمة.

بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الراحل البابا شنودة الثالث يرى أن الإنسان موجود في هذه الدنيا، كي يؤدي الرسالة التي بعثه الله لأجلها، وبعدما ينتهي منها ويكون راضيا عن نفسه يستطيع أن يقابل الرب وهو مسرور، ولا مجال لكتابة المذكرات”.

“البابا شنودة كان شديد التواضع، ولا يحب الكتابة عن نفسه”.. برر مصدر مقرب من البطريرك الـ117، بهذه الكلمات إصراره على أن البابا شنودة لم يفكر للحظة واحدة في كتابة مذكراته.

في الخامس عشر من يناير عام 2009، نشرت الصحف خبرا يقول إن البابا شنودة ينتوي كتابة مذكراته، وهو ما جعل البعض يتخوف من هالة المشكلات التي يتعرض لها بطريرك الكنيسة، ونصحوه وقتها بالتراجع عن الفكرة، بينما أعلن آخرون ترقبهم لما سيكشف عنه البابا في أوراقه، ومرت الأيام حتى انتشر خبر وفاته في مارس 2012.

مرت أشهر قليلة على وفاة بابا الكنيسة، ونشر أيضا خبر يفيد أن أساقفة الكنيسة عثروا على أوراق مهمة في خزنة البابا مرجحين أنها مذكراته، وهو ما نفاه مصدر مقرب قائلا “إنها لا تتخطى كونها خواطر كان البابا يدونها من وقت لآخر”، فيما راح آخرون يؤكدون أن المذكرات التي عثر عليها احتفظ بها شخص بعينه.

الاهتمام بمذكرات البابا شنودة،-( نظير جيد)-، ليس فقط لوزنه الديني في مصر، إنما لمسيرته التعليمية والنضالية والسياسية، التي تحتاج لتتبع وقراءة، اكتسبت مذكرات بطريرك الكنيسة، أهمية من أهمية الرجل، فتاريخه هو تاريخ لجذور المشكلة الطائفية، والحل لها أيضا.

الحديث عن مذكرات البابا شنودة، أحدث زخما واسعا، خاصة بعدما انتشر خبر آنذاك يفيد أن الأنبا يؤانس، السكرتير الشخصي للبابا، يعكف على إعدادها للنشر، وهو ما لم يحدث، وكان الجميع يترقب ما تحتويه أوراق البطريرك الخاصة التي عثر عليها في قلايته بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، حيث لا يمكن الفصل بين مسيرة البابا، ومسار التاريخ السياسي والاجتماعي في الفترة التي عاشها.

تكمن أهمية مذكرات البابا شنودة في شخصه، باعتباره إحدى الشخصيات التي يرى فيها الجميع،-أقباط ومسلمين-، كارزما لا تعوض، والرجل الوطني الذي لا يراهن على الوطن أي كانت المكاسب، كما أن منصبه الديني أضفى على مذكراته، أهمية خاصة، بجانب التاريخ الطويل الذي كان شاهدا عليه وأحد صناعه، والذي ملأته الصراعات الدينية والسياسية، كما أنه كان شاهدا على عصور سياسية مختلفة بداية من عبد الناصر حتى مبارك.

ولعل عصر السادات أهم ما يمكن أن يسجله البابا الراحل،- إن كان قد كتب-، حيث تزامن صعود السادات إلى سدة الحكم مع صعود نظير جيد إلى الكرسي البابوي، وذلك في بداية السبعينيات تلك الفترة المهمة في تاريخ مصر المعاصر، حيث شهدت صعود زعيمين مختلفين،- (السادات والبابا شنودة)-، كلاهما كان من شباب الثورة والتغيير السياسي والديني.

وسارت في هذه السنوات المصلحة والفتنة جنبا إلى جنب، وانفتحت السلطة ودخلت عصر الانفتاح الاقتصادي، وانفتحت الكنيسة على شباب جديد هو شباب مدارس الأحد، وفي الضفة الأخرى من المشهد انفتحت ألسنة الخطباء يوم الجمعة وخرج الإسلاميون من سجونهم وانطلقوا إلى الشارع يطالبون بتطبيق الشريعة ورفعوا المصاحف معلنين أن الإسلام هو الحل.

وتواصلت في بداية الثمانينيات حوادث العنف الديني حيث أحرقت كنائس يوم 6 يناير 1980، ثم جاءت حادثة الزاوية الحمراء في يونيو 1981، ووصلت قمة الصدام بين البابا والرئيس في سبتمبر 1981 عندما أعلن السادات عزل البابا شنودة وتكليف لجنة لإدارة شئون الكنيسة، فعاد البابا إلى حياة الرهبنة واعتكف في دير الأنبا بيشوي ولم يخرج منه إلا سنة 1985.

حياة البابا شنودة، خاصة فترة الخلاف بينه وبين الرئيس السادات، مليئة بالأحداث والخبايا، التي يعتمد فيها حتى الآن على شهادة الشهود والمحللين، لكن لا بد أن يكون فيها جزء غامض، ومنطقة أكثر تشويقا من كل تلك الروايات التي نتناقلها منذ زمن بعيد، وتسامر فيها الكثيرين في محافلهم ومجالسهم الخاصة، وسجلتها عشرات الكتب… لكن ننتظر ما كتبه البابا شنودة بـ”خط يديه”، ليزيل الغموض عن كثير من الأحداث المهمة والتاريخية.

كثر الحديث عن مذكرات البابا شنودة الثالث، لكن إلى اليوم لم تخرج للنور، أو خرج أحد ليؤكد أو ينفي أنه كتب بالفعل مذكراته، وما نحتاجه هو كلمة فصل من الكنيسة، إن كان قد دونها فعلا فلتعلن ذلك، فحق لنا أن نطلع عليها.

Leave a Reply