“64 عامًا.. عمر هذا الرجل، أمضى أكثره، عاشقا، زاهدا، مخلصا، فى محراب الأغنية، والفن الجاد، الهادف، الداعى إلى غدٍ أفضل لوطن يستحق منا أن نعشقه.

لا أعلم لماذا تذكرت سن الملك وهو يعتلى عرشه أمام شعبه، خلال حفلة الأقصر الأخيرة.. هل هى التجاعيد التى بدأت تزحف باستحياء على معالم وجه النيلى النحيل؟، هل تمكن الزمن أخيرا من هذا الشاب المتمرد؟؟.. لكن الإجابة جاءتنى سريعًا بالنفى عندما شاهدت ذاك البريق المتدفق من عينيه، وهو يغنى بحماسة لجماهيره المتعطشة دائما لسماع المزيد، لحظتها تأكدت أن منير، لا يزال، ذالك الفتى الأسمر القادم من أقصى الجنوب، ليقدم تجربة شديدة التفرد، وفنًا خالصًا لوجه الوطن والناس”.

كان ما سبق جزء من مقالة حاولت كتابتها، بعد حفل الفنان محمد منير الأخير بالأقصر منذ شهر تقريبا، ولم أستطع إكمالها بسبب وفاة شقيقى الأكبر، وكان ملخص فكرتها يرتكز على تلك الطاقة التى تتفجر في المبدع نتيجة مساهمته فى تشكيل وعى وضمير أمة، وتجعله قادرًا على الصمود أمام الزمن لأقصى درجة ممكنة، أقصد الطاقة التى جعلت جمال عبد الناصر مثلا قادرا على تحمل آلام ساقيه وقلبه وهو يخطب لساعات أمام الجماهير الحاشدة، ومنحت العالم البريطانى الراحل ستيفن هوكنج، القدرة على البقاء حيًا أغلب سنوات عمره المديد، حبيسًا داخل جسد قعيد بالكامل.

أتذكر بكل التفاصيل أول مرة التقيت فيها الفنان الكبير محمد منير خلال نهاية تسعينيات القرن الماضى، بعد صدور ألبوم “الفرحة”.. كنت فى سنتى الأولى بالدراسة الجامعية، ومتدربًا بالعمل الصحفى فى جريدة “الأهالى”، وكان فى عنفوانه، ويستعد لطرح أحد أهم ألبوماته “نعناع الجنينة”.. لم يهتم لحداثة سنى وتجربتى، وإنما تطلع بعطف للأفكار التى كنت أحاول طرحها بأسئلتى، ومنذ اللحظة الأولى نشأت بيننا علاقة إنسانية أعتز بها، بجانب تأثيره المسبق فى تكوين وعى جيلى بشكل عام، وسمحت تلك العلاقة بأن أرى- وعن قرب- كثيرًا من القيم التى كان يمثلها، لذلك كنت أعرف أن أسعد لحظات الملك، هى خلال وبعد حفلاته مباشرة، فكما كان يقول لى دائما: “المطرب حفلات”، ولهذا كنت أحرص على الاتصال به مباشرة بعد حفلاته، لأشاركه تلك اللحظة.

ولم يكن من الصعب علىَّ أن ألاحظ ذلك التغير الذى ظهر عليه خلال السنوات الأخيرة، بسبب تعذر إقامة حفلات بحشود غفيرة، لظروف البلاد، التى كان يتفهمها بحكم حسه الوطنى، لكن كان لذلك تأثير واضح فى ضعف تدفق تلك الطاقة.

لن أتحدث عن قيمة محمد منير الفنية، فهى معروفة للجميع، لكنى سأتحدث عن تأثيره فى تكوين شخصيتى، وتكوين جيلى بشكل عام، وحاجتنا لوجود قيمة كبيرة مثله، فلقد كان “منير” الراية الواضحة لجيل ضال لا يمتلك قضية، أو مشروع يلتف الجميع حوله، لقد كان القيمة الصلبة التى تشبثنا بها فى مواجهة تيار جارف من التجريف والقبح والتدنى، لقد كان ملهمنا الشامخ خلال خريف تسيده “الأنصاف”.. علمنى منير درسى الأول فى الحياة، وهو: «لا يهمنــــــى اسمك.. لا يهمنـــــى عنوانك.. لا يهمنــــــى لونك ولا ميلادك.. مكانــــــــك.. يهمنـــــــــــــــى الإنسان.. ولو ملوش عنوان».

علمنا منير أن لمصر حدوتة ملهمة تستحق من العالم الإنصات بشغف، علمنا أن نتمسك بالحلم رغم حجم وطول وكآبة الكابوس الذى كنا نعشيه، لذلك رددنا أغانيه، ومنذ اللحظة الأولى، فى كل الميادين ونحن نحاول إنقاذ قلب وطن جريح.

الآن.. والملك يتماثل للشفاء بعد وعكة صحية اجتازها سالمًا بفضل الله، فإن أهم ما يحتاجه الملك- بعد العناية الطبية- أن يغنى.. فهو يعيش وبكل إخلاص ودون شريك أو شريكة فقط لهذا السبب، فمن واجب المجتمع أن يحافظ على وجود «منير» وما يمثله، فنحن لا نحتمل خسارة قيمة كبيرة بحجمه، والسبيل لتحقيق ذلك بسيط للغاية، وهو أن يغنى أمام جماهيره الغفيرة.

Leave a Reply