يؤمن جميع المسيحيين أن كنيسة الله «واحدة».. والطوائف ما هي إلا نتاج تدخلات بشرية أسفرت عن الانقسام الموجود الآن على الساحة، ويصلى الجميع أن تتخطى الطوائف الانقسامات والسعي إلى «الوحدة»، وتقام على فترات صلوات كثيرة يشارك فيها رؤساء الكنائس من أجل «وحدة الكنيسة»، وعودتها إلى سنواتها الأولى.

ويتعامل الله،- بحسب الإنجيل-، مع جميع أفراد الطوائف رغم عديد أفرادها، باعتبارهم وحدة واحدة، وهو ما يظهر في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية «هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض كل واحد للآخر».. كما كتب للكورنثيين «فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد».

وتسعى الكنائس إلى الوحدة من خلال لقاءات لاهوتية وروحية، وبعض النشاطات الهادفة إلى التقارب العميق، وردم الهوة، وإيجاد صيغ لتذليل المعوقات والعراقيل أو للتوافق على بعض التفاسير اللغوية أو لتوضيح معاني بعض التعابير اللاهوتية.

بداية الانشقاق
بدأ الاختلاف بين الطوائف في القرن الخامس حيث حدث الانشقاق الكبير بين الكنيستين الشرقية والغربية بسبب مجمع خلقيدونيا (عام 451 م.)، فأصبحت كنائس الشرق تحت قيادة كنيسة الإسكندرية تعرف بالكنائس “الأرثوذكسية”، وكنائس الغرب تحت قيادة كنيسة روما وسميت بالكنائس الكاثوليكية، إلى أن جاء القرن الحادي عشر حيث انفصلت كنائس القسطنطينية واليونانية وشقيقاتها عن الكنيسة اللاتينية وأصبحت هي الأخرى تعرف بالكنيسة الأرثوذكسية، وفي القرن السادس عشر (سنة 1529) قام مارتن لوثر بثورة ضد الكنيسة الكاثوليكية أطلق عليها ثورة الإصلاح، واعترض فيها على بعض التعاليم، وأطلقوا على أتباعه لقب المحتجين «البروتستانت»، وداخل الكنيسة البروتستانتية حدثت انقسامات كثيرة وخرج منها طوائف عديدة.

الطريق إلى الوحدة
الحديث عن «وحدة الكنائس»، زاد في الأيام الأخيرة، ربما شعر قادة الطوائف أن الوحدة هي الخيار الأمثل في ظل الظروف الحالية، البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، لم يفوت مناسبة تقريبا منذ أن تولى منصب البطريرك، إلا ويشير إلى ضرورة الوحدة، وقال في مناسبات كثيرة «إن وحدة الكنائس تحتاج إلى صلواتنا جميعا.. والكنيسة ظلت واحدة، دون أن تظهر الطوائف لمدة 5 قرون».

وأوضح البابا خلال عظته بكنيسة مارجرجس الجيوشي بحي شبرا، «أن المرض ضرب الكنيسة مما تسبب في انقسامها، وذلك لأسباب عديدة منها اللغة، وحب الذات، وهو المرض الأخطر الذي ضرب الكنيسة»، مشيرا إلى أنه عندما حدث انقسام الكنيسة في القرن الخامس، بدأ المرض يضرب الكنيسة.

وأكد البابا تواضروس أن الأصل في الكنيسة هي «الوحدة»، مشيرا إلى أن المحبة هي السبيل الوحيد لعودة الكنيسة إلى وحدتها في صورتها الجميلة.

كما رجح البابا تواضروس أن الانقسام كان نتيجة لاختلاف تفسير بعض الآيات، لكن في النهاية الجميع مسيحيين وكتابهم المقدس واحد، وفضل البابا استخدام مصطلح «الوجود المشترك»، بدلا من الوحدة، تحسبا أن تفهم الوحدة على ضرورة أن يكون الإيمان واحدا.

كنيسة واحدة وراع واحد

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تدفع في هذا الاتجاه بقوة، حيث بثت فيديوهات عبر صفحة المركز الإعلامي، للأنبا رافائيل سكرتير المجمع المقدس، يتحدث خلالها عن الوحدة يقول فيها «إن هناك مجهودات تبذل في مجال وحدة الكنيسة يجب أن ينظر إليها بعين الاعتبار.. مثل الزيارات المتبادلة بين رؤوساء الكنائس»، مشيرا إلى البابا الراحل شنودة الثالث زار معظم الكنائس في العالم، ويواصل البابا تواضروس المسيرة.

وانتقد الأنبا رافائيل أن ينظر البعض إلى هذه الزيارات بتوجس وخوفا على ضياع الإيمان، مشيرا إلى أن البعض يرى في هذه الزيارات إتمام الوحدة، رغم أن جميعها مساعي نحو الوحدة، نابعة عن روح طيبة تظهرها الكنيسة الأرثوذكسية تجاه الجميع، يغلفها الود والمحبة، ويتخللها تبادل الهدايا والتعارف، وهدفها تبادل الخبرات وتقريب وجهات النظر، مؤكدا «من حق كل مسيحي يحضر في جميع الكنائس دون تمييز».

وشدد على ضرورة أن يلتزم كلا بكنيسته إلى حين إعلان الوحدة الكاملة، مشيرا إلى أن هناك بعض الكنائس المتحدة مع الأرثوذكسية هم السريان الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والاحباش، الارتريتيون والهنود الارثوذكس، والخلقودنيين، ويمكن أن يتمم الأرثوذكسي فيها «سر التناول».

وأوضح أن هناك اختلافا بسيطا مع الكنيسة الكاثوليكية التي تخضع لقيادة واحدة وهو بابا الفاتيكان، رغم انبثاق عدد من الكنائس الأخرى منها، بينما ننتظر أن تتحد كنائس البروتستانتية حتى يسهل النقاش حول نقاط الاختلاف، مؤكدا أن «وحدة الكنائس» هو عمل الروح القدس، وستتم لكن في وقتها حسب تدبير الأزمنة «وحدة الكنائس فعل الله وليس البشر».

المشككون
بعض المشككين والرافضين لوحدة الكنائس، اتهموا البابا تواضروس بأنه يدفع إلى الوحدة من أجل تمرير معمودية الكاثوليك، وتوحيد موعد عيد القيامة، فيما شكك آخرون في إمكانية الوحدة نظرا لصعوبة تنازل أي من رؤساء الكنائس عن منصبه لصالح آخر.

Leave a Reply