حالة من الارتباط العضوى والنفسى والتاريخى والثقافى تجمع بين الشعبين المصرى واليونانى، تظهر بوضوح فى الإسكندرية التى تشهد، حجراً وبشراً، على التقارب التاريخى الذى وصل إلى حد التوحد فى بعض الحقب بين أهل المدينة والجالية اليونانية التى تعيش فيها، بدأ هذا الارتباط قديماً، عندما استكمل اليونانيون بناء الإسكندرية عقب وفاة مؤسسها «الإسكندر الأكبر» فى إحدى رحلاته العسكرية إلى الهند، واستمر عبر القرون، ليؤثر كل منهما فى الآخر على كافة الأصعدة.

أحمد غانم: وجود اليونانيين ظل كثيفاً حتى عهد «عبدالناصر»

حول الوجود اليونانى فى مصر، الذى ظل كثيفاً لقرون طويلة حتى العصر الحديث، وسبب تقلصه فى العقود الأخيرة، وعن أحوال الجالية والآثار اليونانية فى الإسكندرية، وغيرها من الموضوعات، كان هذا الحوار مع الدكتور أحمد غانم حافظ، أستاذ التاريخ والحضارة اليونانية والرومانية بكلية الآداب فى جامعة الإسكندرية.. إلى نص الحوار:

ما نسبة الآثار اليونانية بالنسبة لما تحتويه الإسكندرية من آثار؟

– أولاً، يجب أن نوضح المقصود بتسمية الآثار اليونانية بالإسكندرية، فحينما نسمع هذا المصطلح علينا أن نفهم أنه يشير بالأساس إلى مخلفات العصر البطلمى فى مصر، وهو عصر الملوك البطالمة الذين هم من سلالة «بطلميوس بن لاجوس» الذى لُقب بعد أن توج نفسه ملكاً على مصر عام 305 قبل الميلاد، بلقب «المنقذ» أو «المُخلص»، هذه السلالة التى امتدت حتى الملكة كليوباترا السابعة، آخر ملوك البطالمة، اهتم مؤسسها بتكريس الوجود اليونانى، شكلاً وموضوعاً، على أرض مصر، فنقل كثيراً من معالم الحضارة اليونانية إلى مصر، عبر استقدام أعداد كبيرة من اليونانيين للعمل والاستقرار فى مصر، ولا سيما فى مناصب الإدارة العليا وقيادة الجيش، وهو ما أدى إلى سيادة الطابع اليونانى على ملامح ذلك العصر، ومن ثم استحقت الآثار المتبقية من هذه الفترة أن تنال حضارياً صفة «يونانية»، رغم أن السيادة السياسية والعسكرية كانت «بطلمية» بامتياز. وفيما يخص نسبة الآثار اليونانية بالإسكندرية، فيمكن القول إن الآثار اليونانية التى تم العثور عليها، سواء فوق الأرض أو غارقة وتعود للعصر البطلمى، ليست بالقليلة، وإذا ما عقدنا مقارنة بينها وبين الآثار الفرعونية والإسلامية، سنجد أن اليونانية هى النسبة الغالبة، والدليل على ذلك تلك الفكرة التى شاعت فى مصر، وروّج لها عدد من علماء الآثار اليونانية والرومانية بالإسكندرية، ألا وهى فكرة إنشاء متحف تحت الماء عن طريق أنبوب زجاجى، ليتمكن الزوار من خلاله من مشاهدة آثار الملوك البطالمة الغارقة بمياه الإسكندرية الإقليمية.

هل ترى أن الآثار اليونانية تتمتع بقدر كافٍ من الحماية للحفاظ عليها؟

– فى واقع الأمر، مشكلة الحفاظ على الآثار فى مصر كبيرة، وتؤرق أذهان كافة المتخصصين فى التاريخ والآثار، حيث إنها تُعد إحدى قضايا الأمن القومى، لأنها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بتأكيد الهوية المصرية، فالأثر هو شاهد على العصر، لا يمكن أن يعتريه التحريف أو التزوير، ومن ثم يجب علينا جميعاً أن نشارك فى الحفاظ عليه، ولا أستطيع هنا أن أحمّل المسئولية لجهة بعينها فيما تشهده الآثار عموماً فى مصر من حالة من التردى وعدم الاهتمام، فمن جهة مرت على مصر حكومات متعاقبة عرفت قيمة الآثار وضرورة الحفاظ عليها واستثمارها عالمياً عبر المعارض الدولية التى تنظمها المتاحف الرئيسية فى مصر، مثل المتحف المصرى، ومتحف الإسكندرية القومى، والمتحف اليونانى الرومانى، الذى ما زال مغلقاً رهن التجديدات.

المصريون يعشقون الطراز اليونانى فى المطاعم والمقاهى.. و«المسقعة» أكلة يونانية.. وتوجد كلمات «جريحى» دخلت قاموس اللغة العربية

هل ترى أن الدولة تقوم بجهود كافية لزيادة وعى المصريين بالحفاظ على الآثار؟

– لا أستطيع اتهام المصريين بقلة الوعى بأهمية الآثار، فقد اجتهدت وزارة الآثار فى نشر الوعى بقيمتها بين طلاب المدارس، سواء عن طريق ورش العمل المتتابعة، أو عن طريق نشر المطبوعات والمجلات التى من شأنها تكريس الوطنية فى قلوب وعقول الصغار، وهنا أشير إلى مجلة كانت تصدر عن المجلس الأعلى للآثار، وقت تولى الدكتور زاهى حواس أمانته، وهى مجلة «الفرعون الصغير»، ولكن المشكلة، من وجهة نظرى، تكمن فى عدم توافر موارد مالية تحقق للآثار أعلى وأفضل أشكال العرض، ومن ثم الحماية من عوامل التعرية، وسوء الاستخدام.

ما حقيقة دور اليونانيين فى بناء مدينة الإسكندرية؟

– بعد خروج الإسكندر الأكبر من مصر، لاستكمال فتوحاته التى وصل بها إلى مشارف الهند، وافته المنية فى رحلة العودة، بسبب مرض حمى الملاريا، كما فهمنا من المصادر الكلاسيكية التى تحدثت عن سيرته الذاتية، ووقتها نصب «بطلميوس بن لاجوس» نفسه ملكاً على مصر، لتبدأ حقبة جديدة من تاريخ مصر، عُرفت بالحقبة البطلمية، وهى حقبة طويلة حدث بها كثير من الإنجازات الحضارية، لا سيما فى عصر القوة البطلمى الذى اتفق بين علماء التاريخ اليونانى والرومانى على أنه يبدأ من عصر بطلميوس الأول «سوتير»، حتى نهاية عصر بطلميوس الرابع وأوائل الخامس، وهى الفترة التى شهدت استكمال تأسيس الإسكندرية ذاتها، حتى أصبحت عاصمة لمصر، بدلاً من «منف»، كما شهدت وضع حجر الأساس لمكتبة الإسكندرية وجامعتها القديمة، بكافة مكوناتها المعمارية، التى وصفها لنا المؤرخ الجغرافى «سترابون» الذى زار مصر أيام حكم الرومان، وبعد انتهاء حكم البطالمة احتل الرومان مصر، وكانت وقتها أهم ولاية رومانية فى الشرق، لما بها من موارد وخيرات كانت محل استنزاف دائم، منذ عصر الإمبراطور «أغسطس» وحتى سنة 284 ميلادية.

ولماذا تمتلك الإسكندرية أكبر نسبة من الآثار اليونانية مقارنة بباقى المحافظات المصرية؟

– أمر طبيعى جداً، لأن الإسكندرية لم تكن من وجهة نظر الملوك البطالمة، ومن بعدهم الأباطرة الرومان، مجرد مدينة كباقى المدن المصرية، فقد اعتبروها مدينة متميزة، نظراً لاختيار موقعها من قبَل الإسكندر الأكبر الذى كان يحظى بحبهم واحترامهم، ونظراً لموقعها المتميز على ساحل البحر المتوسط، وهو ما جعلها تنافس كبريات الموانئ العالمية القديمة آنذاك، كل ذلك ساعد على تحويلها إلى عاصمة لمصر، وهو القرار الذى تم تطبيقه منذ عهد «بطلميوس الأول»، وظلت كذلك حتى حكم الرومان، فكانت عاصمة مصر الأهم، وبطبيعة الحال، أى نظام سياسى يهتم بتجميل عاصمة ملكه، ولهذا كان طبيعياً أن تكون فى الإسكندرية أكبر نسبة من الآثار التى تعود لهذين العصرين، ولهذا السبب سُميت الإسكندرية «لؤلؤة مدن العالم القديم ودرة تاجه»، ويكفى أنها كان بها فنار الإسكندرية القديم، الذى اعتُبر إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، وهو المعروف علمياً بفنار «فاروس»، نسبة للجزيرة التى أقيم عليها.

مرشدون يونانيون وقفوا بجانب مصر عندما تخلى عنها الأجانب بعد «تأميم القناة»

إذاً، كيف يمكن الاستفادة من وجود كل هذه الآثار فى الترويج للسياحة المصرية؟

– أولاً: علينا أن نحافظ على ما لدينا من آثار، ونهتم بعرضها العرض اللائق، عبر تأسيس متاحف متعددة، يكون بعضها ضخماً ورئيسياً، كما هو الحال فى المتحف المصرى الكبير الذى تم افتتاحه مؤخراً بشكل تجريبى، ومن وجهة نظرى هذا المتحف يجب أن يكون تجربة يحتذى بها فى كافة ربوع مصر، سواء من حيث المساحة أو الموقع أو طرق وأساليب عرض المقتنيات، لأننا إذا أثبتنا للعالم اهتمامنا بما لدينا، ومعرفتنا بقيمته، عبر حفظه وحسن عرضه، ستجد تلك الصناعة رواجاً دون دعاية، وهنا يحضرنى ذلك المشهد الذى لن أنساه فى زيارتى العلمية الأخيرة للمتحف البريطانى بلندن، وجدت أن المتحف يقوم بالدعاية لمقتنياته المصرية عبر ملصقات ضخمة على الأوتوبيسات العامة، كلها ملصقات تحمل ملامح الحضارة الفرعونية القديمة، كما وضعوا تلك الملصقات، بألوانها الزاهية، فى محطات مترو الأنفاق المختلفة، تجميلاً لها من جهة، واستفادة بما تحققه للمتحف من دعاية من جهة أخرى. وثانياً: أقترح أن تقوم المتاحف المصرية الرئيسية بتنظيم مؤتمرات عالمية تدعو إليها المتخصصين من الأساتذة المصريين والأجانب فى كافة أنحاء العالم، ليس بهدف أكاديمى وإلقاء الأبحاث العلمية المتخصصة فى القاعات المغلقة فحسب، ولكن بهدف الدعاية العالمية للمتاحف المصرية وما بها من مقتنيات، كما أنه علينا أن نروّج لأنفسنا بالشكل اللائق، فليس من المقبول أن يستمر ذلك الأسلوب المتبع فى الحملات الدعائية عبر مختلف مكاتبنا الثقافية المنتشرة فى كافة عواصم العالم، ويجب مراجعة وإعادة تقييم طبيعة عمل هذه المؤسسات بوصفها مؤسسات تعبّر عن الهوية المصرية فى المقام الأول، وهنا يجب أن أوجه كل التحية للقائمين على الأكاديمية المصرية فى العاصمة الإيطالية روما، فحينما زرتها شعرت بمدى تغلغل الثقافة والحضارة المصرية بفضل جهود وزارة الثقافة المصرية ومكتب العلاقات الخارجية بها. وثالثاً: التوسع فى كليات الآثار بمختلف أنواعها، بهدف تغطية كافة العصور، والأهم هو خلق فرص عمل جديدة بالوزارة لاستيعاب أعداد الخريجين من كليات وأقسام الآثار المنتشرة بالجامعات المصرية، والابتعاد عن الفكر التقليدى، والتفكير خارج الصندوق، بعد توفير الموارد المالية اللازمة.

إلى متى ظل الوجود اليونانى فى مصر كثيفاً، وما أسباب اختفائه؟

– عاش اليونانيون فى مصر منذ القدم، وقد استقرت أعداد كبيرة منهم فى تاريخ مصر الحديث، ربما منذ عهد محمد على باشا، وقد ظلوا موجودين فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ووقفوا إلى جانب مصر حينما اتخذت قرارها التاريخى بتأميم قناة السويس، حيث قرر المرشدون الأجانب ترك العمل، اعتراضاً على القرار، واليونانيون معروفون، عبر تاريخهم القديم والحديث، بمهارتهم فى ركوب البحر، والأشغال البحرية وبناء السفن بشكل عام، وكان استقرارهم فى مصر على أكثر من شكل، فقد كوّنوا جالية خاصة بهم بالإسكندرية، وكانوا يمارسون كافة الأنشطة التجارية، وانتشرت بها المحال التجارية التى حملت أسماء يونانية خالصة، ومنها على سبيل المثال «أثينيوس» بمنطقة محطة الرمل، ومحل «أثينا» بذات المنطقة، والواقع أن البعض منهم ظل مقيماً فى مصر، ورفض فكرة العودة إلى اليونان، على اعتبار أنه اعتاد الحياة فى الإسكندرية التى يتشابه مناخها مع كثير من المدن اليونانية، كما أن تقسيم شوارع المدينة وميادينها لا يختلف عن التقسيم الأساسى لكثير من المدن اليونانية، ولا سيما العاصمة أثينا، وهو ما شجع كثيرين منهم على البقاء فى مصر.

كيف أثّر اليونانيون فى المصريين، وكيف تأثروا بهم؟

– هذا سؤال وجيه، حيث إن مصر اعتادت طوال تاريخها على أن تفتح ذراعيها لكل محبيها، وهى دائماً تتسع للجميع، ومن بين الجاليات الأجنبية التى كانت موجودة فى مصر، وتحديداً الإسكندرية، الجالية اليونانية التى كان لها أكبر الأثر على المجتمع المصرى، بفضل التعامل اليومى الذى كان يحدث بين اليونانيين والمصريين، عن طريق المعاملات التجارية، أو خلال اللقاءات على الكافيهات المصرية واليونانية، التى كانت منتشرة فى أرجاء المدينة، كانت بمثابة منتديات، يتسامرون فيها، ويتجاذبون أطراف الحوار، ويناقشون كل ما يهم أمور حياتهم فى مصر والإسكندرية، وقد أخذ المصريون عن اليونانيين كثيراً من الكلمات اليونانية التى مازال بعضها معروفاً ودخل قاموس العامية العربية، مثل كلمة «مسقعة»، وهى الوجبة الشهيرة التى تحظى بشعبية كبيرة عند اليونانيين، وتُعرف لديهم باسم «موساكا»، ومن الكلمات اليونانية المشهورة أيضاً كلمة «كلفتى»، وهى باليونانية «كليفتيس»، بمعنى نصاب أو حرامى، وكثيراً ما سمعنا أجدادنا يتحدثون بكلمات يونانية، مثل كلمة «إكسو» التى تعنى «إلى الخارج» وتُستعمل عند الرغبة فى التخلص من وجود شىء أو شخص، وأدخل اليونانيون إلى مصر كثيراً من العادات، منها تناول الطعام خارج المنازل فى الهواء الطلق، واحتساء القهوة المطحونة، وحتى الآن تجد هناك ميلاً نحو الأسلوب اليونانى فى الحياة، فبعض المقاهى الحديثة بالإسكندرية قامت بتصميم ديكوراتها على الأسلوب اليونانى فى التنسيق والألوان، كما أن هناك ميلاً واضحاً من جانب بعض شباب الجامعات ناحية دراسة التاريخ اليونانى والآثار اليونانية، وهناك العشرات من الرسائل العلمية المتخصصة فى تاريخ وحضارة اليونان، تم تسجيلها وإجازتها عبر قسم الآثار والدراسات اليونانية والرومانية بكلية الآداب فى جامعة الإسكندرية، وغيره من الأقسام المماثلة فى كليات الآداب بجامعات القاهرة وعين شمس والمنصورة وكفر الشيخ، وغيرها.

Leave a Reply