من المعروف أن تعريف الثورة هو تغيير الواقع أيًا كان نوعه ومساره إلى الأحسن، ومن أجل الجماهير، ولصالح الوطن فى المقام الأول، بعيدًا عن المصالح الشخصية والأمور الذاتية، ولما كانت الآمال تشتعل والأفئدة ترنو والجماهير تنتظر متغيرات حقيقية على أرض الواقع فى المرحلة الرئاسية الثانية، تخطيًا لتلك الظروف الاستثنائية التى فرضت علينا فى فترة الرئاسة الأولى.
والتقدم والتغيير لا يستهدف مجالًا حياتيًا واحدًا بعينه، ولكن ولما كانت مسارات الحياة مشتبكة ومتشابكة، ما بين سياسى واقتصادى واجتماعى وثقافى، لذا سنتحدث فى هذا المقال عن المتغيرات الواجبة والمأمولة فى المجال الثقافى، لما لهذا المجال من أهمية شديدة لا تقل أن أى مجال آخر إذا لم يكن مجال الثقافة هو القاطرة التى تشد وتجذب، بل وتحدد مسار باقى المجالات، فالثقافة فى تعريفها العام هى القوة الناعمة، التى توظف إمكاناتها وأساليبها وطرقها من سينما ومسرح وموسيقى وشعر وأدب وفنون تشكيلية وتراث شعبى، وغير ذلك فى تغيير السلوك إلى الأحسن بطرح البدائل الصحيحة، التى تواكب العصر، والتى تساعد على التطور للأحسن للسلوكيات والعادات والتقاليد، وتنقية التراث، وتنشيط العقل، وشحذ الفكر لخلق وتكوين رؤية ذاتية ترتبط ارتباطًا مباشرًا برؤية عامة وبحالة من حالات الوعى الجمعى، التى تجعل المثقف مثقفًا عضويًا له دور مهم فى مسارات الحياة المتعددة، الشىء الذى ينهض بما يسمى ثقافات الشعوب، ومن المعروف تاريخيًا دور مصر والمصريين منذ قديم الزمن والذى أثر ومازال يؤثر فى الحضارة العالمية لما أضافته الحضارة المصرية القديمة لمسيرة الحضارة الإنسانية، فتأثير الحضارة المصرية القديمة كان له دور مهم فى مجال العلوم كافة، والفنون، خاصة فى مجال الفن التشكيلى الذى لا يزال حديث العالم وما تركه من آثار وتماثيل وصور وتحف ومعابد.. إلخ.. ولقد كان امتداد هذا الدور التاريخى الذى ظل قابعا فى الضمير والإحساس الجمعى المصرى ظاهرًا فى دور مصر وقوتها الناعمة، الذى مازال مؤثرًا فى محيطها العربى خاصة فى مجال السينما والمسرح والموسيقى والغناء.. وما يحدث الآن من ثورة ثقافية بالفعل والواقع فى السعودية يؤكد الدور والتأثير المصرى فى المحيط العربى، حيث شاهدنا أن هذا الانفتاح الثقافى السعودى قد اعتمد أول ما اعتمد على الفن والقوى الناعمة المصرية، وقد تمثل ذلك فى إذاعة أغانى أم كلثوم والأغانى والموسيقى المصرية، إضافة للفرق المسرحية التى عرضت مسرحياتها فى السعودية، ناهيك عن عروض الأوبرا المصرية بمصاحبة وزير الثقافة المصرى يومى الخميس والجمعة الماضيين، لذا أصبح لزامًا وجوبيًا علينا الخروج من هذه الشرنقة الثقافية التى جعلت القوى الناعمة المصرية فى أسوأ حالاتها فى شتى المجالات الثقافية، مع العلم أن دور الثقافة بشكل عام وفى هذه المرحلة بشكل خاص دور أساسى وأولى.. فإذا كنا نطالب ونتحدث عن تغيير الخطاب الدينى والإعلامى والثقافى والتعليمى، نقول أيضًا إن تغيير هذه الخطابات يقع الدور الأساسى فيه على تغيير الخطاب الثقافى وعلى دور الثقافة بأساليبها وأدواتها المتعددة، كما أن المطلوب يجب أن يتجاوز الشعارات والتصريحات النظرية والخطط والبروتوكولات الورقية وغير المفعلة على أرض الواقع.. ولا يجب الاعتماد على هذه الزفة المهرجانية، التى تعدت كل الحدود فأصبح هناك كل يوم مهرجانا لا قيمة ولا نفع مباشر له فى إطار تفعيل دور ثقافى جماهيرى بالفعل، كما أن وهذا هو الأهم كيف يكون الفعل الثقافى العملى أهم من الخطط النظرية، والزيارات الميدانية التى يعى ويعرف من يقوم بها أنها لا تأثير مباشر لها، غير أنها تتم فى الإطار الإدارى الروتينى بعيدًا عن الدور الثقافى الأساسى، الذى يجب أن يتجاوز كل روتين ويعتمد على دور ثقافى لا وجود له عمليًا فى كل هيئات وزارة الثقافة، وبوضوح أكثر ما نقصده هنا هو الدور الثقافى ذو المردود المباشر والواقعى مع الجماهير.
فأين دور السينما الآن بالمقارنة بدورها فى إنتاج أفلام قد أصبحت تاريخية بمعنى الكلمة؟ أين دور المسرح الآن وليس فى القاهرة فقط لما لدور المسرح المهم فى تثقيف وتوعية الجماهير؟ ولماذا لا تنزل الفرق المسرحية للأقاليم مثلما حدث من مجموعة شباب الفنانين الوطنيين الذى عرضوا مسرحية «ولاد البلد» فى أرجاء الوطن فى ظل أجواء لا علاقة لها لا بفن ولا بثقافة، أين دور قصور الثقافة والتى كانت «الثقافة الجماهيرية»، وبالفعل فقد أصبحت قصورًا لا علاقة بفقراء الشعب بارتيادها فهذا غير الثقافة الجماهيرية التى تهدف وتكون للجماهير؟ فقصور الثقافة هى الأهم جدًا فى القيام بدور ثقافى نحتاجه الآن أيما احتياج استدعاءً لدورها منذ ستينيات القرن الماضى، فهى قادرة على إحياء السينما والمسرح والموسيقى والشعر والأدب.. إلخ، خاصة أنها منتشرة فى ربوع الوطن، ولا تقولوا ميزانيات مالية، فالثقافة رؤية وموقف ومبدأ، لا وظيفة ولا علاوة وهذا مفتقد الآن.. مثقفو مصر مستعدون للقيام بدور بلا مقابل فى هذه القصور، فعلى الصديق أحمد عواض البداية والتدريب والتواصل مع مثقفى مصر الوطنيين، وحتى تكون مصر وطنًا لكل المصريين.

Leave a Reply