ورشة صغيرة امتلأت بسيدات أتين من بيوتهن فى الصباح الباكر، ليمارسن عملاً لم تجر العادة على أن تألفه النساء، فبين المطرقة والمنشار وحفنة مسامير على طاولة خشبية كبيرة، وقفن بتركيز تام ينفذن ما طُلب منهن من أعمال النجارة المختلفة، ليثبتن أنهن قادرات على امتهان مهن الرجال الصعبة.

داخل مقر الجمعية الخيرية بقرية «الجمالية»، التابعة لمركز قوص، كانت السيدة الثلاثينية هدية محمد واحدة ضمن عشرات المتدربات غيرها بورشة النجارة التابعة للجمعية، مر على وجودها فى الورشة عامان كاملان، تعلمت خلالهما الكثير، حيث بدأت متطوعة، وقتها كانت فكرة عمل المرأة فى النجارة أمراً جديداً بالنسبة لها، ومع الوقت أصبحت واحدة من أهم العاملات بالورشة وأمهرهن، لتستعيد ذكريات بدايتها مع مدرب الورشة.

وهى تقول: «كان المدرب من القاهرة وماكانش مقتنع إن البنت الصعيدية ممكن تبقى نجارة وقال لنا أنا لو فاكركم بنات ماكنتش جيت».

نحو عام قضاه «مدرب القاهرة» مع «هدية» وزميلاتها، لم يسمح لهن بممارسة النجارة بصورة كبيرة، إلى أن جاء إليهن مدرب آخر من مركز قوص، وتعلمن على يديه الكثير، حسب قولها: «بقينا نعرف إزاى نقف على المكن وإزاى نفكه ونركبه لو هو مش موجود وإزاى نقفل الشغل، والحمد لله كلنا دلوقتى بنقفل شغل وكل واحدة فينا بتفكر إن هى تعمل مشروع لوحدها».

خروج البنت إلى العمل لم يكن من الأمور المرحب بها فى محافظات الصعيد، حسبما قالت «هدية»، إلا أن هذه النظرة قد تغيرت وأصبحت مجتمعات الصعيد ذات نظرة أكثر تفتحاً عما كانت عليه قبل ذلك، ولم تعد هناك أزمة فى عمل الفتاة الذى ترى فيه «هدية» العديد من المميزات التى تجعلها لا تتنازل عنه بسهولة: «أكتر حاجة حبيناها فى الشغل إن بنات القرية كلها اتجمعت وبقوا أصحاب، ده غير إنه مصدر رزق لناس كتير، وفيه بنات بتجهز نفسها من الشغل هنا».

أعمال نجارة مختلفة أصبحت لدى «هدية» وصديقاتها فى العمل القدرة على صنعها، من طاولات وكراسى وقطّاعات للسفرة وأى شىء آخر يمكن أن يُطلب منهن، فمن خلال الخامات التى تأتى إليهن من المؤسسة التابعات لها ومعها أمثلة للتصميمات التى يريدون تنفيذها، يمكنهن أن ينجزن كل ما يطلب منهن: «بيجيلنا التصميم ونفكه وبعد كده نعمل زيه عشان لسه مبدأناش نعمل تصاميم من على ورق، وبنعمل جميع المراحل ما عدا مرحلة الدهان والصدف».

«هدية»: المدرب القاهرى لم يكن مقتنعاً بقدرة المرأة الصعيدية على العمل فى مهنة «النجارة»

ولا يقتصر طموح «هدية» على استمرارها فى الورشة التى تعمل بها فحسب، وإنما تسعى لأن تكون واحدة ضمن 10 فتيات من الورشة سيتم اختيارهن للعمل فى أحد مصانع النجارة الذى يجرى إنشاؤه حالياً فى القرية، كما أن استفادتها من العمل داخل ورشة النجارة عادت إليها فى منزلها، لتعبر عن ذلك بنبرة ضاحكة قائلة: «دلوقتى لو فيه شباك فى البيت محتاج يتصلح أو دولاب بقيت أنا اللى بعمله وبدل ما أجيب نجار من بره بقيت أنا نجارة بنفسى».

وعلى بعد بضعة شوارع من ورشة «هدية»، كان مقر جمعية التنمية الاجتماعية فى الجمالية، حيث ورشة أخرى من ورش الخشب، ولكنها اختلفت عن سابقتها، حيث تعمل فى صناعة الأرابيسك، يصل عدد العاملات فيها أيضاً إلى نحو 30 فتاة، كانت من بينهن حنان محمد، تعمل بالورشة منذ 5 أعوام مضت، تعلمت خلالها تصنيع أعمال الأرابيسك الإسلامى والفاطمى والميمونى، حسب قولها.

وتعد «حنان» من أقدم الفتيات داخل ورشة الأرابيسك، ومعها 10 فتيات أخريات، بينما الباقيات ما زلن فى مرحلة التدريب، يبدأن جميعهن يومهن فى التاسعة صباحاً كل يوم إلى الثالثة عصراً، كلٌ يعرف دوره داخل الورشة بين مراحل العمل المتعددة، والتى تبدأ بتقطيع الخشب إلى مقاسات محددة، يتم تشكيلها بعد ذلك على المخارط، ثم يتم ثقبها لتركيبها فى بعضها البعض حتى تكون على شكل شريحة من الأرابيسك، كواحدة من أكثر منتجات الورشة تستخدم فى أعمال النجارة المختلفة، حسب «حنان»، التى أشارت إلى أهمية وجود مثل هذه الورش داخل قرى الصعيد لتنمية عقول الفتيات، ومن ثم ضرورة الاهتمام بها أكثر من ذلك، فهن يعانين منذ فترة من ضعف الإمكانات، ما يؤثر على حجم الإنتاج: «المكن بقاله فترة عايز صيانة وبنتعامل معاه على قد إمكانياته وبنطلع فى اليوم شريحة أو شريحتين، لكن لما المكن اشتغل كويس وعدده زاد هنطلع شغل أكتر».

من جانبه، قال أحمد إبراهيم، رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية بالجمالية، إن «هذه المشاريع فى بدايتها كانت تواجه العديد من الصعوبات من أجل إقناع أهل القرية بخروج الفتيات والسيدات للعمل، إضافة إلى طبيعة العمل نفسه وكيفية إقناع الفتاة بأنها يمكن أن تصبح نجارة مثلها مثل الرجل، ومن ثم كان عدد الفتيات داخل هذه الورش محدوداً، ولكن مع مرور الوقت تغيرت النظرة ووصل عدد الفتيات فى ورش النجارة بالقرية إلى 105 فتيات وسيدات، وبدأن يخرجن منتجات كاملة على عكس ما كان متوقعاً، ما دفع الجمعية إلى الاتفاق مع هيئة أخرى لعمل منتجات حرة لهؤلاء الفتيات يتم تسويقها لتأتى عليهن بعائد يشجعهن على الاستمرار فى المشروع، فضلاً عن إمكانية مساعدة الفتاة المقبلة على الزواج منهن من خلال عمل غرفة نومها بأسعار التكلفة».

Leave a Reply