يبدو أن نوايا بعض الدول الغربية تجاه ليبيا ليست بريئة فى ظل الصراع على النفوذ فى البلاد عقب سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافى، وعلى الرغم من اعتراف حلف الناتو والدول المشاركة بخطيئة قصف ليبيا عام 2011 دون وجود أى استراتيجية لديهم، عادت فرنسا أحد أبرز اللاعبين الدوليين فى الأزمة الراهنة للظهور مرة أخرى.

وتحاول فرنسا استغلال حالة الفراغ الأمريكى والروسى فى الدولة الليبية وتسعى لتهميش إيطاليا من المشهد الراهن بالدعوة إلى اجتماع موسع فى العاصمة الفرنسية باريس، يوم الثلاثاء المقبل، لبحث سبل الأزمة الليبية بين كافة الأطراف، ووضع مسودة مقترحة للحل وزعتها على المشاركين فى الاجتماع المرتقب.

التحركات الفرنسية التى سبقت الدعوة لاجتماع باريس المقبل سبقتها تحركات واجتماعات فى المغرب والسنغال، لإعادة إحياء تيار الإسلام السياسى فى ليبيا ومنحه “قبلة الحياة” عقب رفض الشارع الليبى لجماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية التى تدور فى فلكها، وهو التحرك الذى يهدد العملية السياسية فى ليبيا بسبب عدم امتلاك فرنسا الرؤية الصائبة للتوازنات الراهنة فى المشهد السياسى الليبى.

توقيت الإعلان عن المبادرة الفرنسية جاء عقب اجتماع جمع رئيس مجلس النواب الليبى المستشار عقيلة صالح مع رئيس المجلس الأعلى للدولة فى ليبيا الإخوانى خالد المشرى فى الرباط، وذلك بإشراف ومتابعة من المبعوث الأممى إلى ليبيا غسان سلامة الذى بارك اللقاء الذى جمع الرجلين فى المغرب، والذى لم يخرج بأى نتائج واضحة أو اتفاق بين صالح والمشرى وهو ما يؤكد أن الاجتماع كان لتلميع صورة جماعة الإخوان فى ليبيا والتأكيد على أنها جزء مهم من العملية السياسية.

يأتى ذلك بالتزامن مع دعوة وجهتها مؤسسة “برازافيل” التى يديرها رجل السلاح العالمى – تربطه علاقات مع المخابرات الفرنسية – جان إيف أوليفييه، لعقد اجتماع بين بعض أنصار النظام الليبى السابق مع تيار الإسلام السياسى فى ليبيا، وأبرزهم الجماعة الليبية المقاتلة “القاعدة” بقيادة عبد الحكيم بلحاج وعبد الوهاب القايد، وقيادات إخوانية ليبيا بارزة أبرزها صالح المخزوم، وهو الاجتماع الذى أحدث حالة من الرفض الشعبى فى ليبيا وانتقاد واسع بين أنصار النظام الليبى السابق.

وحاول المسئولون عن اجتماع “داكار” ترويج أكاذيب بأن الاجتماع تحت رعاية “الاتحاد الإفريقى”، وهو ما نفاه مسئولون بارزون فى الاتحاد، وقد كشف مدير مكتب القذافى السابق بشير صالح عن دوره فى التنسيق والإعداد لاجتماع داكار، والدفع نحو الخروج باتفاق مشوه لخدمة أجندة فرنسا التى تسعى لبسط نفوذها الكامل فى ليبيا.

المراقب للأوضاع الراهنة فى ليبيا يدرك أن المبعوث الأممى إلى ليبيا غسان سلامة قد أصبح جزء من الأزمة الراهنة وليس وسيط للحل، وذلك بخدمته للأجندة الفرنسية فى ليبيا دون الالتفات لتقديرات بعض القوى الإقليمية والدولية التى تتباين رؤيتها مع الرؤية الفرنسية فى الأزمة الليبية.

ودفع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بثقله الكامل خلف المبادرة الفرنسية التى وضع غسان سلامة اللمسات الأخيرة لها عبر الاجتماعات التى احتضنتها المغرب والسنغال، وذلك فى محاولة فاشلة لإعادة جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسى إلى المشهد الليبى بعض الرفض الشعبى الكامل للتيارات الإسلامية فى ليبيا، وهو التحرك الخطير الذى يمكن أن يدفع بانهيار اتفاق الصخيرات الذى تتمسك به دول الجوار الليبى وكافة الأطراف الفاعلة فى الأزمة الليبية، وذلك وسط محاولات من المبعوث الأممى لليبيا غسان سلامة من تهميش الاتفاق السياسى الذى يعد ركن أساسى للحل، وذلك لصالح خطته ورؤية فرنسا فى حل الأزمة السياسية.

وكشفت فرنسا عن مبادرة لحل الأزمة السياسية فى ليبيا بدعوة لاجتماع رباعى بحضور رئيس المجلس الرئاسى الليبى فائز السراج، والقائد العام للجيش الليبى خليفة حفتر، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشرى، وبعض قادة الكتائب المسلحة وقيادات بارزة فى تيار الإسلام السياسى.

وتحاول فرنسا استغلال خلافاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتدهور علاقاتها مع روسيا، بالهيمنة على المشهد السياسى الراهن فى ليبيا بتحركات “متهورة” لا تستند على تقييم واضح لحل الأزمة الليبية.

وفى تحرك يثير الدهشة حول النوايا الفرنسية، دعت باريس عدد من قادة الكتائب والميليشيات المسلحة وممثلين عن جماعة الإخوان فى مدينة مصراتة، لمنح تيار الإسلام السياسى فرصة العودة إلى المشهد وفرض أجندتهم على الساحة السياسية الليبية، وذلك دون الالتفات إلى التوازن الحالى فى المشهد الليبى، وذلك بالتواجد القوى للقائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر فى المشهد الليبى باعتباره الشخصية الأقوى، إضافة لتكرار أخطاء الماضى بتهميش أنصار النظام الليبى السابق ومحاولة الالتفاف بدعوة شخصيات كانت تدعم القذافى، يمثلون أنفسهم، وليس الكيانات السياسية الداعمة للقذافى، وذلك لحضور اجتماع “داكار” لتمرير المشروع الفرنسى الخبيث فى الأراضى الليبية.

وتقود فرنسا تحركات خبيثة ومشبوهة فى جنوب ليبيا وتحديدا فى مدن سبها وأوبارى، وذلك بتقديم كافة السبل الدعم للأطراف المتصارعة والمتنازعة فى الجنوب الليبى، لتعزيز نفوذها القوى فى تلك المنطقة التى تحتكرها فرنسا، وذلك أملا منها فى بسط النفوذ الكامل على الجنوب الليبى “إقليم فزان قديما”، وذلك لتأمين مصالحها بشكل أكبر فى مالى وتشاد والنيجر وإفريقيا الوسطى، دون الالتفات لمصلحة الشعب الليبى الذى يعانى من الصراعات الدولية على بلاده وبطش تيار الإسلام السياسى بأبناء الشعب الليبى.

 

Leave a Reply