لو كان المرء من خارج العرب والمسلمين.. لربمّا وجدَ فى كتابات «برنارد لويس» متعةً كبيرةً وثقافةً باهرةً. ذلك أن المؤرخ اليهودى الذى رحل – مؤخرًا – عن أكثر من مائة عام.. هو مفكر واسع الاطلاع.. يجيد عددًا من اللغات الحيّة والميّتة.. وبحثَ طويلاً فى الدين والتاريخ.

تعلَّم برنارد لويس العربيّة والعبريّة والآرا��يّة والفارسيّة والتركيّة واليونانيّة واللاتينية، وترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة.

ولقد عاش المؤرخ البريطانى الأمريكى طويلاً طويلاً.. حتى رحل عن (101) عام قبل قليل. بعد أن امتدّت حياته العلمية من الحرب العالمية الثانية إلى حرب داعش.

(2)

عاش «برنارد لويس» متطرفًا ومات متطرفًا.. كان عنوانًا على «اللاأخلاق» فى الفكر الاجتماعى العالمى.. أمضى حياته كلها خادمًا لسياسة الغزو والاستعمار.

لم يقف الكاتب يومًا مع مبادئ الخير والحبّ.. ولم ينظر إلى معاناة الشعوب والدول على نحوٍ إنسانىّ قطّ.. وإنّما تعامل من دون قلب.. كأنَّهُ يقف فى معملٍ للكيمياء.. يحضِّر عناصره من دون أدنى عاطفة.

فى حياته الأولى عمل ضابطًا فى المخابرات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية.. وكانت مهمته صياغة الفتنة فى مناطق المستعمرات، وفى بدايات حياته العلمية كان مشرف رسالته للدكتوراة «لويس ماسينيون» مستشار المستعمرات الفرنسية.

( 3 )

بدأ برنارد لويس رحلةً طويلة.. كان فى جزئها الأول «صوت الاستعمار من لندن»، وصار فى جزئها الثانى «صوت الاستعمار من واشنطن».

تمتلئ أعمال لويس بالكثير من الغرور والانحطاط المعرفى.. وحين تحدَّث عن مصر فى كتابه «القوة والإيمان.. الدين والسياسة فى الشرق الأوسط».. قال.. فى جهلٍ واثق: «إن فترة الاحتلال البريطانى لمصر.. كانت الأكثر حرية طوال تاريخها السابق واللاحق.. والممتد لآلاف السنين»!.

وحين تحدث عن الحروب الصليبية.. امتدحها.. واعتبرها حربًا يمكن تفهمّها.. ومن السخف الاعتذار عنها!.

ولمّا وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 فى الولايات المتحدة.. طالب برنارد لويس – بعد أيام قليلة ومن دون أى معرفة أو أى معلومات – بغزو العراق.. وكان هو المنظِّر لأخلاقيّة الغزو.

وفى حديثه أمام هيئة موظفى الرئاسة الأمريكية عقب الهجمات.. قال لويس: إن لدى المسلمين شعورًا بالدونيّة والكراهية تجاه الغرب.. نتاج ثلاثة قرون من التراجع منذ فشل العثمانيين فى الاستيلاء على فيينا عام 1683. وهى آراء تمتلئ بالهراء والتهافت.. ومن المذهل أن هذه التفاهات قد حظيت على اهتمام واحترام العقل السياسى الأمريكى!.

لقد كان طبيعيًّا أن يتهم المفكر الفلسطينى إدوارد سعيد برنارد لويس بـ«الغوغائية والجهل الشديد» نتيجة سياسات الحقد والتعميم التى انتهجها لويس فى كتاباته عن الإسلام والمسلمين.

( 4 )

لقد وصف برنارد لويس نفسه فى عام 2012 قائلاً: بالنسبة للبعض أنا عبقرى كبير.. وبالنسبة للبعض الآخر.. أنا تجسيد للشيطان.

والحقيقة أن الانبهار المعلوماتى قد يجعل القارئ يعتقد أنه إزاء عبقرى كبير.. لكن ما وراء السطور.. وما تلتْ أفكار لويس من سياسات.. تدلُّ على أنَّهُ كان – حقًّا – تجسيدًا للشيطان.

الحلقة الثانية.. الأسبوع المقبل بمشيئة الله

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

Leave a Reply