عاش الأنبا ابيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار فوق بحيرة من الأزمات بين جدران ديره، ورغم إصدار الدير بيانات متعاقبة عن قطع علاقته بأحد الآباء الرهبان إلا أن الأسقف المستنير الذى راح ضحية جريمة قتل فجر الأحد الماضى، كان يفضل أن يظل هكذا، راهبًا بعيدًا عن عدسات الصحافة وكاميرات الفضائيات، يعالج أزماته بهدوء، يطلب تدخل البابا تواضروس تارة ويدير مشاكل ديره بنفسه تارة أخرى فيغلق أبواب ديره  على أبنائه كل يوم فلا نسمع إلا عن كتب جديدة أصدرها رهبان الدير أو مشاركات علمية وبحثية في مؤتمرات دولية وهو يحمل تلك التركة الهائلة التي تركها القمص متى المسكين، إرث العلم والأزمات معًا.
ظل دير الأنبا مقار وحتى مصرع الأنبا ابيفانيوس الأسبوع الماضى، صداعًا فى رأس الكنيسة، ومصدرًا للأزمات فيها، بعدما كان مستقلًا بشكل كامل عن الكاتدرائية حتى وفاة القمص متى المسكين، ثم أخضعه البابا شنودة لإدارة الكنيسة مرة أخرى عام 2009 أى بعد وفاة المسكين بثلاث سنوات، ثم دخل الدير مرحلة جديدة من 2009 وحتى 2013 ، فلم تعد تركيبته الفكرية كما كانت من قبل بل صار للبابا شنودة رهبانه ورجاله الذين رسمهم “عينيه” داخله.
في الأيام الأخيرة من حياة البابا شنودة، وحين غالبه المرض، تروي الصحافة، أن الآباء الأساقفة الذين أداروا مقاليد الكاتدرائية في تلك الفترة بالقوة والنفوذ، قد زرعوا رجالهم فى الدير أيضًا، حتى أن أحدهم قد رسم “عين” عدة رهبان بالدير، لا ينتمون لمدرسة المسكين من قريب ولا من بعيد حتى إذا جاء العام 2013 وعقد البابا تواضروس عدة اجتماعات بنفسه أو عبر سكرتيره فى هذا الدير الأزمة.
 ترشح لرئاسة الدير ثلاثة من الآباء الرهبان، قال البابا وقتها، إن المرشحين الثلاثة كانوا من بين اختيارات الرهبان، إلا أن القليل من البحث يكشف إنهم من اختيارات البابا نفسه، ثلاثة أسماء من الرهبان الشيوخ “الراهب ابيفانيوس المقاري” والراهب الراهب إيسيذوروس، الراهب بترونيوس”.
الراهب ايسوذوروس المقارى، على سبيل المثال، كان الرجل الذى فوضه البابا وكلفه بدور المرشد الروحي لأزمة دير “وادي الريان بالفيوم” التي شغلت الرأي العام المصري والكنسي، طوال العاميين الماضيين.
وهكذا ترشح لرئاسة الدير ثلاثة من الآباء من مدرسة متى المسكين، سكان الدير الأصليين، الذين إن حظوا بالعلم والقبول، فلن يتمكنوا من فك الألغام المزروعة في  الدير كنتيجة للصراع القديم ما بين البابا شنودة والقمص متى المسكين.
من بين أزمات كثيرة ورثها الأنبا ابيفانيوس وظل صامتًا عنها، قضية الراهب “يعقوب المقارى”، الرجل الذى قرر إنشاء دير خامس في وادي النطرون يحمل اسم “السيدة العذراء والأنبا كاراس”، وتمكن بالفعل من الانتهاء من إنشاء أجزاء كبيرة منه.

حكاية رهبان “أبو مقار” الذين جمعوا تبرعات لإنشاء دير جديد

في مارس 2015، أصدر دير الأنبا مقار بيانًا رسميًا موقعًا من الأنبا ابيفانيوس أسقف ورئيس دير الأنبا مقار العامر بوادي النطرون، يعلن فيه تسريح الراهب “يعقوب المقارى” وقطع أى علاقة له بالدير وعدم مسؤوليته عن أي تعاملات مالية أو مشاكل يقوم بها هذا الراهب.
سبق البيان عدة تحذيرات تلقاها الراهب من الأنبا ابيفانيوس رئيس ديره تطالبه بالتوقف عن جمع تبرعات لإنشاء دير يسمى “العذراء والأنبا كاراس” بوادي النطرون، بعدما أجاب البابا تواضروس على سؤال من أحد الصحفيين أكد فيه إن الكنيسة ليس لديها ديرًا بهذا الاسم، بينما كان الراهب يعقوب من بين رهبان منحهم البابا شنودة رتبة القسيسة وعمل منفردًا على بناء الدير الجديد.
في فبراير 2017، أصدر الأنبا ابيفانيوس بيانًا ثانيًا أعلن فيه أن الدير ليس له علاقة بالراهب المدعو “مرقس المقارى” ، بل وتبرأ من أى تعاملات مالية تتم مع رجل يحمل هذا الاسم.

“أشعياء المقارى”..الراهب الذى طلب الأنبا ابيفانيوس نقله من الدير

فى فبراير الماضى، نشر أحد المواقع القبطية، خبرًا مفاداه أن شكاوى قد أرسلت للبريد الإلكتروني للموقع من راهب يدعى “أشعياء المقارى” بعدما صدر ضده قرارا باباويًا يقضى بإبعاده من دير الأنبا مقار بوادى النطرون وإلحاقه بدير يسمى دير الزيتونة، لم يعرف حتى اليوم موقعه، وذلك على خلفية الطلب الذى تقدم به الأنبا ابيفانيوس للبابا تواضروس لإلحاق الراهب بأى دير أخر، فما كان من الراهب إلا أن جمع توقيعات من 45 راهبًا بالدير يطلبون فيها الإبقاء عليه بينهم، بينما وقع الراهب إقرارا خطيًا يعلن فيه التزامه وخضوعه لأبيه الأنبا ابيفانيوس رئيس الدير، وبالفعل ظل الراهب متواجدًا بين أسوار الدير حتى اليوم، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل ولا أسباب اعتراض الأنبا ابيفانيوس على بقائه بين أسوار الدير.

هل هناك علاقة بين دير الأنبا مكاريوس بوادي الريان ودير أبو مقار بالنطرون؟

لم يكن دير الأنبا مكاريوس بوادي الريان، الذى تسبب فى أزمة بطلها رهبان الدير من ناحية والدولة والكنيسة من ناحية أخرى، بعيدا كل البعد عن أزمات دير أبو مقار المتلاحقة، إذ يرتبط دير الأنبا مكاريوس بشكل وثيق بدير الأنبا مقار، إذ كان الدير الواقع في زمام محمية وادى الريان الطبيعية بالفيوم، ضمن أديرة عمرها وأقام بها القديس متى المسكين عام 1950 حين دب خلافًا بينه وبين البابا كيرلس الثالث فترك دير الأنبا صموئيل بالمنيا، وذهب للتوحد بمغائر أثرية بوادي الريان قيل أن القديس الانبا مكاريوس قد عاش فيها أيام رهبنته الأولى، وكان الراهب القس إليشع المقارى من بين مجموعة رهبان خرجوا مع المسكين إلى صحراء الفيوم حين أمر البابا كيرلس بتجريد القمص الراحل من رتبته الكهنوتية هو كل من معه.
عام 2015، أطلت أزمة دير وادى الريان بوجهها من جديد حين قررت الدولة شق طريق دولى يمر بدير الأنبا مكاريوس بوادى النطرون الأمر الذى يتطلب هدم جزءا من أسوار الدير بالإضافة إلى قضايا التعديات على أراضي الدولة والمحميات الطبيعية التى أقامتها وزارة البيئة ضد الآباء رهبان الدير، فما كان من الرهبان إلا أن رفضوا هدم جزءا من أسوار الدير، والاستجابة للوساطات التى ابتعثها البابا تواضروس لهم إذ بدأت تلك الوساطات بالراهب القمص ايسوذوروس المقاريآ ليصبح مشرفا روحيًا على الدير، ثم استمر فى إرسال الوسطاء واحدًا تلو الأخر، حتى انتهت الأزمة بإخضاع بعض من رهبان الدير للكنيسة وظل البعض الأخر رافضًا عاصيًا، فلم تصلح الحلول السلمية وتم القبض على الراهب بولس الريانى وحبسه بسجن الفيوم فى نهاية المطاف وواجه قضايا التعدى على أراضى الدولة التى أقامتها وزارة البيئة وتم هدم أجزاء من سور الدير وشق الطريق الدولى بعدما أمضى الراهب فترة عقوبته، وهو ما عبر عنه البابا تواضروس فى تصريحات لليوم السابع وقتها بالقول “الراهب كسر قانون المجتمع فلماذا يغضب الأقباط.

ولكن كيف ارتبط دير وادي الريان بدير أبو مقار؟

يشكل الآباء المقارية “رهبان أبو مقار”، التركيبة الأساسية الغالبة بين رهبان دير الأنبا مكاريوس بوادى الريان، إذ كان أبيهم الروحي القمص إليشع المقارى أحد التلاميذ المقربين من متى المسكين من خرجوا معه إلى تلك الصحراء حين اختلف مع البابا كيرلس فى الخمسينات، وظل هناك حتى اضطرته ظروف المرض للسفر إلى ألمانيا للعلاج، وظهر مرة أخرى حين اشتدت الأزمة يطلب من أبنائه الرهبان الخضوع للبابا تواضروس ولإمرة الكنيسة.
بينما حاول البابا تواضروس تهدئة الأزمة فأرسل أبًا مقاريًا أخرا للوساطة هو “ايسوذوروس المقارى”، حيث يحمل بعض آباء دير وادى الريان اللقبين “الريانى والمقارى”، نظرا لانتماء بعضهم لدير أبو مقار ودير الريان فى الوقت نفسه، وهكذا استمرت وساطات الدولة والكنيسة حتى هدأت الأوضاع وتم تكليف الأنبا مكاريوس أسقف المنيا بالإشراف على الدير إداريًا وروحيًا حتى يتأهل للحصول على اعتراف المجمع المقدس للكنيسة رسميًا.

ما الذى يفعله آباء دير الأنبا مقار من العلماء؟

على النقيض من ذلك تماما، فإن حياة بحثية نشطة تدور بين أروقة الدير الذى يضم مكتبة هائلة تزدحم بالمراجع والمخطوطات من لغات مختلفة، ومكتبة لا تتوقف أبدًا عن طباعة إصدارات آباء الدير من الرهبان، أو إعادة إصدار كتابات القمص متى المسكين بعد زيادة الطلب عليها في السنوات الأخيرة.
كان الأنبا ابيفانيوس وحتى وفاته، مسئولًا ومشرفًا على تلك المكتبة العريقة، منها يسترشد بالمراجع وإليها يعود بالكتب والإصدارات، يعاونه فى ذلك نخبة من الآباء الرهبان العلماء بينهم الراهب القس اثناسيوس المقارى الذى ألف أربعة سلاسل من المراجع الكنسية الهامة عن أسرار طقوس وصلوات الكنيسة، وأعياد الكنيسة، ومصادر طقوس الكنيسة، وأصوام الكنيسة، إذ تزيد إصداراته عن الثلاثين كتابًا وألقى العديد من المحاضرات داخل وخارج مصر، بالإضافة إلى الراهب يوئيل المقارى والراهب باسيليوس المقارى أيضًا، والراهب الشاب مرقوريوس المقارى شديد الاهتمام بالآثار القبطية والتاريخ الكنسى.
يحدث كل هذا، بينما تشير نتائج البحث على جوجل إلى اتهامات لهؤلاء الآباء الباحثين منتجى الكتب، بنشر التعاليم الخاطئة وقد يتطور ذلك إلى حد اتهامهم بالهرطقة، وإصدار كتب للرد عليهم.

Leave a Reply